.. «والزمان شُرم بُرُمْ»

يوسف الحسن
يوسف الحسن

آخر تحديث: الثلاثاء 12 مايو 2020 - 9:00 م بتوقيت القاهرة

قيل، والله أعلم، إن المخزون النفسى عن عرب اليوم قد نفد، بعد أن قلب الدهر لهم ظهر المجن، ولم يعد لديهم مشكلة سيكولوجية تجاه أحد، وأنهم مستعدون لتلبية كل «النداءات الدولية»، ودعوات التهدئة والنوم فى العسل، والاعتدال والمرونة السياسية والليونة الاجتماعية، وشد الأحزمة على البطون، وصاروا يقبلون بالرضا، حتى لو تتبدل نعالهم فى المساجد.
وقيل، والله أعلم، إن السلام صار على الأبواب العربية الأمامية، فارتاح بال العرب، واستعدوا للاعتذار عن كل ما اقترفه أجدادهم من غزوات وأخطاء وخطايا ونوايا شريرة، وغصب و«عيون حمراء»، بما فى ذلك مُعلقة عمرو بن كلثوم التى نظمها الشاعر الجاهلى قبل نحو ألف وخمسمئة عام، بخاصة فى بيتها الأخير الذى يقول فيه:
ملأنا البر حتى ضاق عنا.. وظهر البحر نملؤه سفينا.. إذا بلغ الفطام لنا صبى.. خرت له الجبابر ساجدينا
وقيل، والله أعلم، إن العرب مستعدون، على سبيل المثال: أن يعتذروا لإسبانيا، عن «فتح الأندلس» وتعويض فرنسا عن مقتل كليبر، قائد جيش نابليون، فى صيف عام 1800 أثناء احتلاله أرض الكنانة، واعتقال كل من له نسل بالقاتل سليمان الحلبى فى أرياف حلب الغربية.
وقيل إن العرب مستعدون للاعتذار أيضا لبريطانيا، بسبب القبض على ريكاردو قلب الأسد أثناء حرب الفرنجة، ولتقبيل رأس زعيم الحبشة، تكفيرا عمَّا أصاب جسد أبرهة الحبشى من حجارة طير الأبابيل فى مكة والاعتذار لأمريكا عن سوء خدمات الراقصة نجوى فؤاد لدى رقصتها أمام هنرى كيسنجر فى حفل ليلى بجوار هرم خوفو أثناء الاستعداد لعملية السلام الراقص المستدام، ولملاطفة البرتغاليين بمائة ألف برميل من النفط تعويضا عن قتلى عسكر وبحارة البوكيرك أثناء مقاومة رجال ونساء جلفار وخورفكان لهذا الغزو الشرس والدموى، فضلا عن ملاطفة الروس باستضافتهم المجانية فى قاعدة عسكرية بحرية، تعويضا عن مشاركة عرب فى محاربتهم أثناء وجودهم فى أفغانستان فى الثمانينيات.
وقيل، والله أعلم، إن العرب ما عاد تقلقهم عدوى الإرهاب، ولا موجات المهاجرين من أبنائهم الشباب، وقد اعتمدوا سياسات حسن النية، وتطبيق أفضل «الممارسات الدولية» فى القفز فوق حقائق الأزمات ودواعيها، إلى درجة أنهم قد يخصصون الجلسة الافتتاحية للقمة العربية القادمة لإعادة قراءة نص رسالة «وعد بلفور» وتثمينها، والترحُّم على صاحبها، وربما، والله أعلم، أن الأمين العام للجامعة العربية، سيبادر بإحضار أصل رسالة «وعد بلفور» المتضمنة تصريحه الشهير، والذى جاء فى رسالة بعث بها إلى اللورد روتشيلد، والمحفوظة الآن داخل المتحف البريطانى.
وقيل للعرب إن كل شىء من حولهم يتغير، العقائد والأفكار والتحالفات ومصبات الأنهار، والمواثيق والتكنولوجيا والفيروسات، والزعامات والأحلام والكوابيس، وبالتالى يترتب عليهم أن يسحبوا لغتهم القديمة من التداول، ويكفيهم أنهم، من خلال دعوة الإسلام، غزوا أو فتحوا من البلدان فى ثمانين عاما فى القرن السابع عشر الميلادى، وما بعد بقليل، أكثر مما غزى أو فتح الرومان فى ثمانية قرون.
وقيل، والله أعلم، إن العرب مستعدون لـ «تصفير المشكلات» إلى درجة الصفير، بما فيها إقامة مهرجان تأبينى لضحايا «أوشفتز»، رغم أنه لا علاقة لأجداد العرب بهذه المسماة محرقة أو شواء، والتى اقترفها أوروبيون من العالم الحر، يعنى طبعة أوروبية بحتة.
ولأن الجوّ لان، فقد صار حلالا أن يُهدى من لا يملك (الجولان)، لمن لا يستحق، حتى ولو كان من اللصوص، وأضحى العرب لا يضيّعون فرصة السراب التاريخية، ويحسنون الظن بالسراب، وإلاَّ فإنهم عرضة لوسمهم بالحمقى.
وقال أعرابى، بعد أن ضاقت حيلته، ونفد صبره، وأخذ يشكو أمره إلى بعيره، وهو يعايره: يا بعير الغالى، لماذا «بولك أعوج»؟ فيرد البعير قائلا: هل ترى فيّ مِنْ شىء معدول؟
ضحك الأعرابى، وقال هامسا، وهو يُحدِّث نفسه المثقلة بالمواجع: ليس للعرب ما يخفف عن مناكبهم من الهموم والقهر الذى يفلق الحجر فى أزمنة ما سمى بالنسيم الربيعى، والكورونا، وأنظمة «شُرم بُرُمْ» من زعران و«لوتية» ومليشاوية، إلاَّ التندَّر والتفكَّه، والرقص على أنغام لحن تقول كلماته: «يا سيدى ما أجملك، ما أعدلك، لولاك ما دار الفلك».

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2021 ShoroukNews. All rights reserved