الحرب على الوعى

من الصحافة الإسرائيلية
من الصحافة الإسرائيلية

آخر تحديث: الثلاثاء 12 مايو 2026 - 6:55 م بتوقيت القاهرة

إن خريطة التهديدات التى تواجه إسرائيل مزدحمة ومثقلة، ونحن نسخّر طاقاتنا بكاملها لإحباطها؛ هذا ما يجرى فى الجنوب، وفى الشمال، وفى الشرق. لكن هناك تهديدًا كبيرًا ــ ربما هو الأكبر فى المدى البعيد ــ لا تتم معالجته. إنه التهديد الكامن فى تقويض شرعية وجود الدولة نفسها، فى نظر العالم الحر.

تنجح إسرائيل فى الاستمرار، مثل فيلّا وسط الغابة الإقليمية، من بين أسباب أُخرى، لأنها تنظر إليها بصفتها ذراعًا طويلة للعالم الحر ما وراء البحار. وشكلت شبكة العلاقات الواسعة لهذه «الفيلّا» مع العالم الحر -على المستويات الثقافية والاقتصادية والسياسية، وطبعًا الأمنية أيضًا ــ شبكة أمان لدولة إسرائيل، لكن فى الآونة الأخيرة، تجرى عملية دراماتيكية من التآكل فى منظومة العلاقات الحيوية هذه؛ لقد أصبحت شيطنة إسرائيل أمرًا رائجًا فى أنحاء أوروبا، وفى قطاعات كبيرة من الرأى العام فى الولايات المتحدة. وأصبحت الفيلّا أكثر عزلةً من أى وقت مضى؛ لذلك، يشبّهها رئيس الوزراء بإسبرطة.

ومهما كانت أسباب هذه الشيطنة -معاداة السامية الكلاسيكية من اليمين، والتقدمية من اليسار، ولسعة العقرب القطرى، وسياسات الحكومة الإسرائيلية التى تُعتبر متطرفة، ودوامات السموم فى وسائل التواصل الاجتماعى، وغير ذلك ــ فلا يجوز قبولها كقدر محتوم. هناك إغراء بالانكفاء إلى مقاربة قدرية: «العالم كله ضدنا»، وأن نأمل الأفضل؛ وهناك إغراء آخر يتمثل فى رؤية الجزء الممتلئ من الكأس ــ الأصدقاء الذين ما زالوا إلى جانبنا، مثل الهند والإنجيليين والدول ذات الأنظمة السلطوية، لكن هذا يُعد انعدامًا للمسئولية من الدرجة الأولى. إن الصورة المريحة لشعب «يسكن وحده» تشكل خطرًا استراتيجيًا على مستقبل المشروع الصهيونى.

مؤخرًا، نُشر أن إسرائيل تسارع إلى التزود بأسراب جديدة من الطائرات من الولايات المتحدة، خوفًا من ظهور رئيس انعزالى، أو حتى معادٍ لنا، بعد الرئيسين الصهيونيّين، بايدن وترامب. لقد نجا العالم الحرّ خلال الحرب العالمية الثانية حين انتُخب فرانكلين روزفلت رئيسًا، بدلًا من تشارلز ليندبرج، الانعزالى المتطرف والمعادى للسامية، الذى تعاطف مع هتلر وفكّر فى الترشح للرئاسة، ثم تراجع. وهكذا جرى تجنيبنا الديستوبيا التى تخيّلها الكاتب فيليب روث فى روايته «المؤامرة ضد أمريكا»، لكن مَن يضمن لنا ألّا يكون الرئيس المستقبلى شبيهًا بتاكر كارلسون الجمهورى، أو زهران ممدانى الديمقراطى؟ وهل سنستطيع الاتكاء على أوروبا التى أصبح الإسلام فيها القوة الصاعدة؟

علينا أن نجنّد الموارد الوطنية التى راكمناها من أجل تغيير السردية المناهضة لشرعية الصهيونية وتجفيف مستنقع الوعى الذى تنمو فيه البذور البرية. لا يكفى الاعتماد على اليهود ما وراء البحار (أيباك)، ولا على حملات «الدعاية» الإسرائيلية؛ المطلوب تغيير فى النموذج الفكرى ذاته، ولن يتحقق هذا التغيير إلّا إذا استوعبنا أن معركة وجودنا لا تُحسم عند الحدود فقط، بل أيضًا بالطريقة التى يرى بها العالم الحر إسرائيل. نحن نستثمر أكثر من مئة مليار شيكل سنويًا فى حماية الحدود، ولا ننفق سوى الفتات، بمقاييس وطنية، فى ساحة المعركة على الوعى العالمى؛ هذا الإهمال يمكن أن تكون له تبعات وجودية.

لا تزال المعركة بعيدة عن الخسارة. المطلوب قيادة بن جوريونية تدرك عمق التحدى وتعالجه بمهنية وحزم: المهنية تقتضى تجميع المعرفة والخبرة، وتطوير «عقيدة قتالية» تناسب العالم الجديد، ورسم خريطة للميدان، وصوغ سردية، وتصميم أدوات لنشرها، وإقامة شراكات دولية، وغير ذلك؛ أمّا الحزم، فيقتضى فهمًا، مفاده بأن التغيير مطلوب على امتداد الخط كله. فإلى جانب الأمن القومى المادى الذى تتولاه الأجهزة العاملة داخل البلد (الجيش والشاباك) وخارجه (الموساد)، يجب إسناد الأمن القومى فى مجال الوعى إلى هيئة جديدة مخصصة، تكون رسمية، وليس سياسية، مثل بقية أجهزة الأمن، وممولة بسخاء فى المدى الطويل بما يليق بحجم التحدى، وتخضع مباشرةً لمسئولية مكتب رئيس الوزراء، أو وزارة الدفاع؛ فالأمر لا يتعلق «فقط» بالعلاقات الخارجية، أو بحماية يهود الشتات، بل ــ مثلما ذُكر ــ بجوهر الأمن القومى نفسه.

إن الأمن القومى لا يتوقف فقط على النجاحات فى المعارك فى بنت جبيل، أو رفح، بل أيضًا على المعركة على الوعى فى واشنطن وبرلين وباريس.

 

يديديا شتيرن

يديعوت أحرونوت

مؤسسة الدراسات الفلسطينية

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved