العدد لم يعد فى الليمون

أشرف البربرى
أشرف البربرى

آخر تحديث: الأربعاء 12 يونيو 2019 - 8:55 م بتوقيت القاهرة

أزمة نقص الليمون فى الأسواق وارتفاع سعره إلى مستويات فاقت قدرة الكثيرين على التخيل مجرد حلقة من مسلسل أزمات السلع التى تتوالى على بلادنا، بنفس التفاصيل تقريبا، فتبدأ الأزمة دون أن نعرف لها سببا محددا ثم تتراجع بمرور الوقت دون أن نعرف أيضا لماذا تراجعت، وإن كانت توابعها تبقى لتثقل كاهل المواطنين.

فالأزمة تبدأ بنقص كميات المعروض من السلعة فى الأسواق، ثم تخرج علينا تصريحات بعض المسئولين، تتحدث عن جشع التجار، مرة وعن «الناس الهايفة» التى تشغل بالها بالكلام عن ارتفاع سعر «البطاطس أو الفول أو الليمون أو الفرخة البيضة» وتتجاهل ما تحققه البلاد من إنجاز يتجاوز حدود الإعجاز، مرات عديدة، ثم التحذير من مصير سوريا وليبيا والعراق.

تبدأ الأزمة وتشتد حدتها ولا تنتهى وإنما يعتاد عليها المواطن فيتوقف عن الشكوى والأنين، قبل أن يبشره الإعلام بانتهائها لمجرد أن السلعة أصبحت متاحة بضعف سعرها قبل الأزمة أو أكثر، لكن أحدا لا يناقش الأسباب الحقيقية لهذه الأزمات، ولا يتساءل أحد عما إذا كانت السياسات الاقتصادية والزراعية هى السبب مثلا فى انصراف المزارعين والمستثمرين عن زراعة هذا المحصول أو ذاك لأن الدولة توقفت عن تقديم أى دعم حقيقى لهم، فتكون النتيجة تكرار الأزمة وانتقالها من سلعة إلى أخرى.

أزمة الليمون مثل أزمة البطاطس مثل أزمة الفول، كلها تعكس قصورا فى رؤية الحكومة للقطاع الزراعى، وتخليها عن هذا القطاع الذى كان حتى وقت قريب ضمانة الأمن الغذائى والاجتماعى لمصر. فالدولة التى كانت تمتلك وتدير منظومة قوية للدعم الزراعى تضمن وصوله لمن يزرع الأرض فى صورة مستلزمات إنتاج مدعومة من ناحية، واهتمام بالبنية التحتية الزراعية وبخاصة الترع والمصارف من ناحية أخرى، تخلت عن هذه المنظومة، فأصبح حصول المزارع على جزء بسيط من مستلزمات الإنتاج المدعومة حلما بعيد المنال، وتدهورت أوضاع شبكة الترع والمصارف فى أغلب المحافظات، فكان من الطبيعى أن يتراجع الإنتاج الزراعى فى الوقت الذى يزيد فيه عدد السكان، فتصبح مثل هذه الأزمات أمرا طبيعيا.

وعلى مدى السنوات الماضية ورغم تكرار أزمات السلع الزراعية ووصولها إلى سلع لم يكن أحد يتصور أن تحدث فيها مشكلة مثل الليمون الذى كان مضرب المثل فى وفرته فنقول «العدد فى الليمون»، لم يجرؤ أحد على الحديث عن جدوى إنفاق مبالغ طائلة فى مشروعات الاستصلاح الزراعى العملاقة، بدلا من إنفاقها فى تحسين البنية التحتية للأراضى الزراعية القديمة فى الوادى والدلتا، أو فى إحياء منظومة الدعم الزراعى التى كانت تشجع المزارعين على زارعة كل شبر من الأرض وعلى تربية الماشية والدواجن بفضل توافر مستلزمات الإنتاج بتكلفة مقبولة تضمن لهم تحقيق هامش ربح حتى إذا انخفضت الأسعار، أو تضرر الإنتاج لأسباب طارئة.

أخيرا، لا أظن أن أزمة الليمون ستكون الأخيرة فى سلسلة أزمات السلع الغذائية التى يعانى منها الناس، مهما كانت إشادة المؤسسات الدولية بالإنجازات الاقتصادية، لأن السياسات التى أدت إلى هذه الأزمة ما زالت قائمة ولا يوجد ما يشير إلى إعادة النظر فيها فى المدى المنظور.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2019 ShoroukNews. All rights reserved