التفاهمات بين الولايات المتحدة وإيران هى المفتاح لوقف دينامية الجولات

من الصحافة الإسرائيلية
من الصحافة الإسرائيلية

آخر تحديث: الجمعة 12 يونيو 2026 - 6:45 م بتوقيت القاهرة

إسرائيل وإيران دخلتا دينامية جولات متكررة؛ فكل ضربة تنشئ حاجة إلى رد، وكل رد يستدعى ردًا مضادًا، من دون قدرة على الحسم. وهناك أيضًا أطراف أخرى مشاركة فى هذه الجولات، وهى تضيف مزيدًا من التعقيد، لكنها تنشئ كذلك فرصًا لتحقيق الاستقرار. وتُظهر نظرية الألعاب، وكذلك خبرة إسرائيل السابقة فى ساحات أُخرى، أن هناك عدة طرق للخروج من هذه الدينامية: إحداها نشوء قواعد غير مكتوبة بين الطرفين؛ إذ يمكن للخصمين أن يتعلما بالتدريج أى الأفعال تؤدى إلى التصعيد وأيها تؤدى إلى الاستقرار، ويتصرفا على هذا الأساس. ولا ينتهى الصراع، لكنه يصبح أكثر قابلية للسيطرة، وأحيانًا يمكن التوصل إلى تفاهمات رسمية تحت إشراف دولى، كما فعلت إسرائيل وحزب الله فى الفترة 1996-2000.


أمَّا الطريقة الثانية، فهى نشوء توازن قائم على الردع المتبادل، وفى هذه الحالة، يستنتج الطرفان أن تكلفة جولة جديدة أعلى من الفائدة التى يمكن تحقيقها منها. ولا يوجد هنا تصالح أو تسوية، إنما إدراك لفكرة أن استمرار التصعيد يضر بمصالح الجانبين، غير أن المشكلة تكمن فى أن الوصول إلى هذا الإدراك يتطلب عادةً تكاليف باهظة على مدى طويل؛ فقد احتاجت إيران والعراق إلى أعوام من الاستنزاف المتبادل، شملت أيضًا قصفًا صاروخيًا مطولًا للمراكز السكانية، قبل أن تصلا إلى وقف إطلاق النار سنة 1988. وكما يبدو، فإن إسرائيل ستجد صعوبة فى قبول وضع يقوم على الردع المتبادل بعد أن أظهرت تفوقًا جويًا ساحقًا فى الحرب.


وهناك سيناريو آخر يمكن تسميته بـ«سُلَّم النزول»؛ يرد فيه كل طرف بصورة محدودة تسمح له بالحفاظ على هيبته وصدقيته أمام جمهوره، من دون تجاوُز عتبة تجبر الطرف الآخر على الرد بمستوى أعلى من القوة، وهكذا تنشأ آلية تسمح بإنهاء الجولة من دون أن يُنظر إلى أى من الطرفين على أنه استسلم. ويُعَدُّ المشهد الختامى للجولة الحالية، أى العملية الإسرائيلية المحدودة داخل إيران، مثالًا على نهج كهذا.


وأخيرًا، هناك طريق آخر يتمثل فى التدخل الخارجى، ولا يُشترط أن يهدف هذا التدخل إلى اتفاق سلام أو تسوية شاملة بين إسرائيل وإيران، بل يكفى أن يوفر إطارًا أوسع من القيود والحوافز والضمانات يدفع الطرفين إلى تقليص نطاق الصراع. إذًا، ما هى مشكلات إسرائيل فى هذه المواجهة؟


أولًا، إن الجولات التى لا تنتهى ليست فى مصلحتها؛ فإلى جانب الضرر الأمنى المباشر، فإنها تضر بالاقتصاد، وتعطل الحياة اليومية، وتؤدى إلى استنزاف متراكم للموارد. وفى أوضاع كهذه، من المتوقَع أيضًا أن تتزايد الهجرة منها. ثانيًا، إن قدرة إسرائيل على تشكيل نتائج اللعبة بمفردها محدودة؛ فهى تستطيع إلحاق ضرر كبير بإيران، لكنها لا تستطيع فرض إرادتها عليها، وكذلك الأمر، لا تستطيع إيران فرض إرادتها على إسرائيل، فها هى محاولات تغيير الواقع فى إيران جذريًا عبر إسقاط النظام لم تنجح، وجهود إيران لكسر عزيمة إسرائيل لم تحقق أهدافها.


ومن هنا، تنبع خلاصة أوسع: هذا الصراع ليس صراعًا ثنائيًا عاديًا، إنما يجرى داخل منظومة إقليمية ودولية يملك فيها اللاعبون الخارجيون تأثيرًا كبيرًا. وتُعد الولايات المتحدة اللاعب الوحيد الذى يجمع بين القوة العسكرية، وأدوات الضغط الاقتصادية، والشرعية الدولية، والقدرة على تقديم «العصا والجزرة» إلى إيران فى آن واحد.


إسرائيل تستطيع الردع والإضرار والتعطيل، كما أن إيران تستطيع الإيلام والاستنزاف والتحدى، لكن أيًا منهما لا يستطيع بمفرده إنشاء نظام جديد، فالقوة العسكرية يمكنها التأثير فى ميزان التكلفة والمنفعة، لكن إطارًا سياسيًا أوسع هو وحده القادر على كسر دائرة الفعل وردّة الفعل.


وفى هذه الأوضاع، فإن الطريق الأكثر واقعية لوقف دينامية الجولات هو التدخل الخارجى، وعلى رأسه التفاهمات بين الولايات المتحدة وإيران. والمقصود هنا ليس مصالحة تاريخية أو تطبيعًا للعلاقات، إنما المقصود اتفاق محدود يحدد حدود العمل، ويقلل دوافع التصعيد. وفى عالم مثالى، سيكون جوهر الاتفاق هو تقييد البرنامج النووى العسكرى الإيرانى، لكن الأولوية الآن هى تهدئة الوضع القائم. وعليه، فإن السؤال الاستراتيجى المركزى ليس كيف يمكن الانتصار فى الجولة المقبلة؟ إنما كيف يمكن تشكيل الأوضاع التى تمنع الجولة التى تليها؟ وذلك فى واقع يجلس فيه فى البيت الأبيض رئيس يُنظر إليه عمومًا على أنه متعاطف، لكنه فى الوقت نفسه متقلب المزاج، ويتجنب الاعتماد على جهاز مهنى عميق ومتخصص.


إيهود عيران ويوئيل جوزنسكى

هآارتس
مؤسسة الدراسات الفلسطينية

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved