فى المَذَلَّة والهَوان
بسمة عبد العزيز
آخر تحديث:
الجمعة 12 يونيو 2026 - 6:45 م
بتوقيت القاهرة
تجدَّدت المعاركُ فى المنطقة واحتلت أخبارها الحوار الدائر بين عددٍ من الأصدقاء. بعضُهم ثمَّن الردَّ الإيرانيّ المباشر الذى يُناطح العدوَّ ويكبده الخسائر، وبعضٌ آخر فضَّل سُبل المُهادنة المُجرَّدة من أيّ عمل عسكري؛ فيما اتفق الجميع على أن بعض المواقف الرسميّة العربية تبدو متخاذلةً متقاعِسة، لا يرتضيها من يأبى الذِلة والمَهانة.
• • •
مواجهةُ العدوّ واجبٌ لا يُباح التنصُّلُ منه؛ ولا أفلحَ مَن والى أعداءَه، ومَن نكصَ وقتَ الجدّ عن نُصرَةِ الحقّ، ومَن تولَّى عن حماية الأرضِ والعرض، ومَن أدبر فى خِضَم المعركة، والحقُّ أن عملياتِ المقاومة التى تذيق المُعتدى الأمريكيّ وجيش الاحتلال الإسرائيليّ أيامًا صعبة؛ ترفع الرؤوسَ وتنصبُ على امتداد البصر راياتِ المَجد والإباء.
• • •
الهَوانُ فى مُعجم المعانى الجامع هو الضَّعف والخِزي؛ بينما الذلُّ مرادفٌ للانكسار والخُضوع، وتسليمٌ بحال الضِعة ونزوع نحو الاستسلام، ولا جدال أن المرءَ متى كفَّ عن المقاومة؛ انكسر عنقُه وانحنى ظهره وبات فى كربٍ شديد.
• • •
إذا سأل فلان علانًا: "هانت عليك نفسك؟" فاستنكار لما أتى به، والمراد فى العادة فعلٌ مؤذٍ مبنيٌّ على الشعور العميق بتصاغر النفس وتضاؤل قيمتها. المُخاطَب هنا مَلوم لما ارتكب، فمهما تعقَّدت الظروفُ وساءت؛ تبقى ذات الإنسان عزيزة لا يجوز التفريط فيها، وتبقى إرادته عاصمًا من الزلل.
• • •
مُعارَضة الظالم شرفٌ ورِفعة؛ لكن إيثارَ السَّلامة يدفع الأغلبية للانسحاق والخنوع، وتُذكَر فى هذا الصَّدد قولة الإمام عليّ بن أبى طالب: "الناسُ من خَوْف الذُّل فى ذُل". العبارة مُوجِعة وصَادقة لأقصى حدّ؛ فالخوف فى ذاته إذلالٌ للخائف، وانتقاصٌ من شأنه، وطعنٌ فى قدرته على تحدى الشدائد ومغالبتها، والحلُّ يبدأ مع إدراك الجُّموع المُرتعِدَة حقوقها، وقوتها، وما باستطاعتها عند الاتحاد إنجازه.
• • •
أنشدَ أبوالطيّب المُتنبّى: «من يَهُن يَسهُل الهَوان عليه.. ما لجُرحٍ بمَيتٍ إيلام»، والمعنى أن ثمَّة حدًا فاصلًا إن تخطاه الواحد مرَّة؛ تأتَّى له أن يفعلَ مئات بل وآلاف المرات، والبيتُ تحذير وتنبيهٌ وتهديدٌ ووعيد؛ فعاقبةُ الهوان مُزرِيَة والذليل مثله مثل جثة هامدة لا يحركها شيء. للمتنبى باع لا يُنكَر فى الفخر والمُباهاة، لذا لا عجب أن أنشدَ أيضًا: "ذلَّ من يَغبط الذليلَ بعَيشٍ.. ربَّ عيشٍ أخفّ منه الحِمام"؛ والمراد أن هناك أحوالًا شديدة التدنّى تجعل الموتُ إلى جوارها رحمة. الصُورة قاسية ولا شكّ؛ إنما لا أجدى منها فى إحياءِ العَزم متى تأزَّمت الأوضاع وتدهوَرت، وانعكست فى حيواتِ الناس وعجَّلت برحيلهم.
• • •
كنت طرفًا فى نقاشٍ مُطوَّل يستدعى أحوالَ المُجتمعاتِ التى يرزَح كثير أفرادِها تحت خطّ الفقر، يعانون شظفَ العيشِ ونضوبَ الموارد وتراجُعَ الصّحة، وغياب المستويات الدنيا من الاحتياجات الأولية. قسمٌ من الجالسين وَجد العذرَ للصامتين الغارقين فى دوَّامات الذُّل، وقسمٌ آخر رثى خنوعَهم وألقى عليهم اللومَ. مِلت إلى الرأى الثانى.
• • •
تقرّرُ الحِكمةُ العَربية أن: "الجُّوع خيرٌ مِن الخُضوع" ولا غرابة فى المُفاضَلة؛ إذ يحملُ الخُضوع مذاقَ المَذلة، ويدمغُ الخاضعَ بالضَّعف وتَضَعضُع الإرادة؛ ولإن اختبرت الحياةُ المرءَ وعرَّضته لمِحَنها العنيفة، فتماسك وأبى تقديمَ التنازُلات؛ هوَّن رأسُه المَرفوع معاناتَه، وحفظ كرامتَه وكبرياءَه، وأعطاه القدرةَ على الصُّمود.
• • •
ينحو كثير الناسِ إلى اتباع المأثور الشعبيّ: "طاطى للريح لحد ما تعدي"؛ إذ وقوفهم فى وجهها مُخاطَرة قد تنتهى بخسارة بالغة، والحلُّ الأمثل إذًا أن ينحنوا أمامها حتى تمُر؛ لكن مثلَ هذه الحلول التى تدور فى فلك الاستسلام، تتسبَّب فى انكسارِ الرُّوح وتترك بصمةً غائرة. الإكثار من الانحناء يجعله أمرًا طبيعيًا؛ بل مقبولًا، ولا جدال أن الشَّخصَ الذى يبقى مُنحنيًا لفترات طويلة؛ يَعجز عن شدّ قامته والوُقوف مُنتصِبًا ما حان الوقت.
• • •
فى مَذلَّة الهوى يقول عنترة بن شداد: "أعاتب دهرًا لا يلينُ لعاتِب.. وأطلبُ أمنًا من صُروفِ النوائبِ.. ولولا الهوى ما ذُلَّ مِثلى لمِثلهم.. ولا رُوّعَت أُسدُ الشُّرى بالثعالب". مِن الناس مَن يؤكد ألا كرامة فى الحبّ، وأن العاشقَ الحقَّ لا يبالى بالحفاظ على صورته فى بلاط المَعشوق؛ لكن قصيدة منسوبة لأميرَ الشُّعراء أحمد شوقى تُعارض هذا الرأيَ وتفنده: "نعم أشتاق ولكن.. وَضَعت كرامتى فوق اشتياقى.. وأرغب فى وَصلِهم دومًا ولكن.. طريق الذُّل لا تهواه ساقي"، والحقيقة أن لكلّ امرئٍ هواه الذى يبذل فى سبيله العزيز الغالى، ويجد العذر إذ لا سلطان له على حاله.
• • •
غنَّى سيد درويش: "عشان ما نعلى ونعلى ونعلى لازم نطاطى نطاطى نطاطي". الكلماتُ التى عُرِفت بلحن "الوصوليين" تمثل ضربًا من السُّخرية السوداء؛ كتبها بديع خيرى ضِمن أوبريت "العشرة الطيبة" الذى قدمته فرقة نجيب الريحانى عام ألف وتسعمائة وعشرين تقريبًا، وفيه انتقاد صريح للعلاقة الجائرة بين السادة الأتراك والفلاحين المصريين، ويُقال إن الريحانى اتهم على خلفية هذا العرض المسرحى بموالاة الإنجليز وتلقى مقابل ماديّ منهم.
• • •
على كل حال، إذا أدرك المرءُ ما فى أمره من سوء؛ وقع عليه عبءُ تصويبه ولو تكبَّد المشقَّات الهائلة، ولا أكرم له حينها من العملِ بأبيات عنترة بن شداد: "لا تَسقِنى ماءَ الحياةِ بذِلَّة.. بل فاسقنى بالعزّ كأسَ الحَنَظل.. ماءُ الحياةِ بذِلة كجهنَّم.. وجهنَّمُ بالعزّ أطيبَ مَنزِل".