مهارات لن تندثر
محمد زهران
آخر تحديث:
الجمعة 12 يونيو 2026 - 6:59 م
بتوقيت القاهرة
ما الذى يجعل مهارة تندثر؟
ما المهارات التى سنظل بحاجة إليها؟
ما تأثير التكنولوجيا على المهارات التى يحتاجها سوق العمل؟
منذ بضعة أسابيع لبيت دعوة كريمة من إحدى المحطات الإذاعية الموجهة للشباب (من يطلقون عليهم الآن genZ)، وكان الهدف هو الحديث عن المهارات التى يحتاجها هذا الجيل الصغير الذى وُلد وترعرع فى ظل وسائل الاتصال المتقدمة ومنصات التواصل الاجتماعى وقضاء أغلب ساعات اليوم أمام الشاشات. هذا الجيل يواجه سوق عمل يتغير بتقدم التكنولوجيا، وبالتالى المهارات التى يحتاجها سوق العمل تتغير بدورها بسرعة كبيرة.
السؤال الأهم فى هذا اللقاء الذى استغرق ساعة هو: هل هناك مهارات لا غنى عنها للبشر ولن يقوم بها الذكاء الاصطناعى بشكل أفضل؟ الإجابة من وجهة نظرى هى نعم، هناك ثلاث مهارات أساسية يجب أن يتقنها البشر، خلافا لمهارات أخرى كثيرة ستندثر.
المهارات عادة تندثر لأحد سببين:
• إما أن الحاجة انتفت لها، مثل مهارة الكتابة على الآلة الكاتبة بسرعة ودقة.
• وإما ستختفى لأن التكنولوجيا مثل الذكاء الاصطناعى سيقوم بها بكفاءة أفضل كثيرا من البشر مثل مهارة تلخيص النقاط المهمة فى الاجتماعات، أو مهارات دراسة وتحليل البيانات، وحتى مهارة البرمجة ليست بمأمن.
إذا ما المهارات التى لن تستطيع التكنولوجيا القيام بها أفضل من البشر؟ ولماذا؟ هذا ما سنتحدث عنه فى مقال اليوم.
• • •
التفكير النقدى
المهارة الأولى هى التفكير النقدى، وأعتقد أن القارئ الكريم قد سمع بها مرارا من الكثيرين حتى مل منها، لكنها المهارة الأكثر أهمية لأن المهارتين التاليتين فى مقال اليوم تعتمدان عليها. ببساطة التفكير النقدى هى مهارة معرفة ما إذا كانت معلومة معينة صحيحة أم لا، والمعلومة قد تكون خبرا أو إجابة عن سؤال أو ما شابه، هذه المهارة تساعدك على اتخاذ القرارات الصحيحة وعلى حماية نفسك من التضليل.
لنأخذ مثالا على مهارة التفكير النقدى: ماذا لو قرأت أن التعليم أونلاين أفضل للطلاب من التعليم فى الفصل أو قاعة المحاضرات، هل ستصدق ذلك؟ قد تأتى بإجابة سريعة من تجربتك الشخصية أو من بعض الروايات من أصدقائك، لكن من قال لك إن تجربتك الشخصية أو تجربة أصدقائك هى الحالة العامة؟ وليست استثناء من الحالة العامة نتيجة تأثيرات خارجية؟ لذلك عندما تسمع معلومة التعليم هذه عليك أن تبحث عن إجابة أسئلة مثل: ما الأدلة التى تثبت هذا القول؟ كيف تم قياس درجة التعليم حتى تقول إن وسيلة تعليم أفضل من الأخرى؟ وهل مستوى الطالب فى قاعة المحاضرات مقارب للطالب الأونلاين عند مقارنة المجموعتين؟ هل هناك أبحاث ضد هذا الرأى؟ بعد أن تجمع هذه المعلومات، يمكنك تحليلها ثم تقرر إذا كنت ستأخذ بها أم لا، خبرتك وحدها لا تكفى. ستلاحظ أن التفكير النقدى يستلزم مهارة طرح الأسئلة، لم نضعها كمهارة مستقلة بذاتها لأنها جزء لا يتجزأ من التفكير النقدى.
فى هذا العصر المعقد الذى نعيشه، التفكير النقدى وحده قد لا يكفى، هناك مهارة أخرى تعتمد عليه ونحتاجها بشدة فى شتى المجالات.

• • •
تفكير النظم
تخيل أنك دخلت مستشفى مثلا ووجدت الزحام شديدا، إذا كنت تفكر بطريقة تقليدية ستقول لا بد من زيادة عدد الأسرة حتى تستوعب زيادة العدد، لكن من يفكر بطريقة النظام المتكامل أو تفكير النظم (thinking in systems) وهو المهارة اللازمة فى القرن الواحد والعشرين سيبدأ بعدة أسئلة: ما العوامل التى أدت إلى ازدحام المستشفى؟ هل فعلا قلة عدد الأسرة؟ أم قلة عدد الأطباء؟ أم قلة الأدوية والأجهزة؟ أم هناك عوامل أخرى؟ إلخ، هذا النوع من التفكير يعتمد على أنه فى وجود مشكلة فإن النظام الذى تقع فى نطاقه المشكلة (المستشفى فى المثال السابق) لا يتكون من وحدة واحدة، بل من عدة أجزاء أو وحدات تتفاعل مع بعضها لذلك عند التفكير فى حل يجب أولا معرفة تلك الأجزاء وكيف تتفاعل مع بعضها، وما تأثير الحل على كل جزء وعلى التفاعل بينها لأن الحل قد يقود إلى مشكلة فى جزء آخر، مثلا زيادة الأسرة بدون زيادة فى الأدوية والأطباء ستجعل المرضى يجدون مكانا لهم فى المستشفى لكن سيتأخر عنهم العلاج. نحن فى عصر أصبحت فيه التكنولوجيا أكثر تعقيدا من ذى قبل، وتزداد تعقيدا مع الوقت، ودراسة جزء بمعزل عن باقى النظام ستقود حتما إلى الفشل حتى وإن ظهر نجاح أولى لفترة صغيرة من الوقت.
مثال آخر عن مهارة التفكير هذه هو الاختناق المرورى، ماذا لو أن مدينة تعانى من اختناق مرورى؟ التفكير التقليدى السريع سيقول يجب إنشاء طرق جديدة أو توسيع طرق موجودة إلخ، لكن ماذا لو كان توسيع أو زيادة الطرق سيشجع الناس على الخروج والقيادة، مما سيؤدى إلى اختناقات مرورية أكثر من ذى قبل كما أشارت بعض الأبحاث، لكن مهارة التفكير فى الأنظمة ستحلل الاختناقات المرورية كالآتى: هل وسائل النقل الجماعى تعمل بكفاءة وسرعة؟ هل مواعيد الخروج من العمل والجامعات والمدارس مخططة بحيث لا تتم فى نفس الوقت؟ هل عدد السيارات فى المدينة متناسب مع قدرة استيعاب الطرق؟ إلخ، الإجابة عن تلك الأسئلة ستقود إلى الحل الأمثل، وقد يكون هذا الحل هو إنشاء طرق جديدة فعلا أو قد يكون حلا آخر.
أحب أن أرشح للقارئ الكريم كتاب «Thinking in Systems» أو (تفكير النظم) من تأليف الباحثة والكاتبة دونيلا ميدوز (ت 2001) فهو يتحدث عن تلك المهارة بأسلوب سلس موجه للعامة.
هذه المهارة لن يقوم بها الذكاء الاصطناعى بكفاءة أكثر من البشر لأنها لا تعتمد فقط على نظام ميكانيكى تتفاعل فيه الأجزاء، بل تعتمد على دراسة تفاعل البشر مع بعضهم ومع أجزاء النظام، وهذا يتأثر بثقافة كل شعب، فالحل عندنا قد يختلف عن الحل فى بلد آخر، وطالما ذكرنا الثقافة، فالتكنولوجيا لا تتقن تلك المهارة.
كل حديثنا عن اكتساب المهارات، فماذا عن مهارة التخلى عن المهارات؟

• • •
النسيان المفيد
أنت قد تبذل جهدا ووقتا فى تعلم مهارة معينة، ثم بعد مرور فترة من الوقت أصبحت هذه المهارة غير مطلوبة أو أصبح الذكاء الاصطناعى يقوم بها بطريقة أفضل، لكنك «تستخسر» ما بذلته من أجل تعلم تلك المهارة فتصر على استخدامها بالرغم من كل الدلائل التى تشير إلى اندثارها، وبالتالى يتأثر عملك وحياتك، هذه هى المهارة الثالثة: كيف تنسى ما تعلمته وأصبح غير ذى قيمة؟ وكيف تكتشف المهارات الجديدة وتتعلمها؟ للإجابة عن هذين السؤالين، ارجع إلى المهارتين التى ذكرناهما أعلاه.
• • •
التطور السريع للتكنولوجيا يسرع من اندثار بعض المهارات، أى انعدام الحاجة إليها، وظهور الحاجة لمهارات جديدة، لكن هناك بعض المهارات سيظل العالم بحاجة إليها ما دامت التكنولوجيا تهدف لرفاهية ومساعدة البشر، هذه المهارات يجب أن تكون الهدف الأسمى للجامعات.
