ألعاب المفاوضات تحت النار فى الخليج
معتمر أمين
آخر تحديث:
الجمعة 12 يونيو 2026 - 7:02 م
بتوقيت القاهرة
بينما كانت أنظار الملايين تتجه نحو الملاعب الأمريكية لمتابعة انطلاق كأس العالم 2026، كانت صافرة من نوع آخر تدوى فى الشرق الأوسط، معلنة العودة إلى نقطة الصفر فى صراع الإرادات بين واشنطن وطهران. هذا التزامن الرمزى يعكس مفارقة بين عالمين؛ ففى الوقت الذى يحتفل فيه العالم بمنافسة رياضية تحكمها القوانين والوقت المحدد، يشتعل الخليج ومحيط مضيق هرمز بحرب مفتوحة لا تخضع لقواعد اللعب النظيف، حيث تحوّل مشرط الجراح العسكرى الأمريكى من محاولة فرض شروط التفاوض إلى الغرق فى تعقيدات البنية التحتية وحرب استنزاف بإمكانات متباينة، ما يضعنا أمام قراءتين متناقضتين للمشهد: إحداهما غارقة فى التفاؤل السياسى والدبلوماسى، والأخرى تصطدم بالواقعية العسكرية والاقتصادية المأزومة.
فى كواليس الإدارة الأمريكية، سادت رؤية تميل إلى التفاؤل الحذر، وروّجت لفكرة التفاوض تحت النار باعتبارها الأداة الوحيدة لترويض طهران ودفعها إلى طاولة التنازلات. واستند هذا الطرح إلى أن الضربات الجوية الخاطفة التى استهدفت الدفاعات الجوية الإيرانية فى سيريك وجاسك وميناء بندر عباس، وبطاريات الصواريخ فى ميناب وجزيرة قشم، لم تكن سوى عملية تطهير جراحية لمحيط مضيق هرمز تمهد لعمليات أوسع تجبر النظام الإيرانى على قبول حزمة شروط جديدة.
وتبلور هذا المنظور بصورة أوضح بعد حادثة إسقاط مروحية أباتشى أمريكية فوق مياه الخليج فى 9 يونيو، وهى حادثة كشفت عن سيناريوهين أحلاهما مرّ: الأول أن الدفاعات الإيرانية أسقَطَتها عمدًا، والثانى - وهو الأخطر - دخول مسيّرات «شاهد» المزودة بالذكاء الاصطناعى إلى الخدمة، بعدما بُرمجت على صور الطائرات المعادية للاشتباك معها تلقائيًا دون تدخل بشرى. وفى هذه الحالة، بدا إسقاط الأباتشى وكأنه نتيجة تقنية غير مقصودة، لكنها كانت كافية لتدفع ترامب نحو استئناف ضرب العمق الإيرانى، فى رسالة مفادها قدرته على شل المنظومات الدفاعية المحيطة بالمضيق.
وبالتوازى، حاولت واشنطن التحرك على جبهة دبلوماسية يقودها جاريد كوشنر وستيف ويتكوف لفرض شروط قاسية، تشمل تجميد التخصيب لمدة 15 عامًا وتفكيك منشآت فوردو ونطنز وأصفهان، مقابل الإفراج عن 25 مليار دولار مجمدة ورفع العقوبات النفطية. غير أن هذا التفاؤل اصطدم بضعف الخبرة لدى الوفد الأمريكي؛ إذ كشفت جولات الحوار عن محدودية الخلفية الفنية لويتكوف وكوشنر فى الملف النووى، إلى درجةٍ دفعتهما لسؤال وزير الخارجية الإيرانى عباس عراقجى عن أساسيات التخصيب. وقد أثار ذلك استياء الوفد الإيرانى، فيما اضطر الوفد الأمريكى لاحقًا إلى زيارة مختبر نووى فى ولاية تينيسى لتلقى تدريب فنى مكثف لفهم القضايا التى يتفاوض بشأنها.
ورغم ذلك، استمرت واشنطن فى الرهان على أن الضغوط الميدانية، التى وصلت إلى استهداف خزانات مياه الشرب فى سيريك، ستجبر إيران على تقديم تنازلات، وقبول خفض نسبة تخصيب اليورانيوم إلى 3.5% بما يمنح ترامب انتصارًا سياسيًا يسوّقه للناخب الأمريكى ولوسائل الإعلام، خصوصًا مع اقتراب انتخابات التجديد النصفى فى نوفمبر المقبل.
• • •
لكن المقاربة الميدانية سرعان ما اصطدمت بهذا التفاؤل، لتكشف عن معادلة ردع جديدة حطمت الحسابات النظرية لواشنطن وتل أبيب. فقد بدأت السلسلة، بسبب تطورات الحرب الإسرائيلية ضد حزب الله فى لبنان، حيث طوّرت إسرائيل عملياتها العسكرية ضد الساحل اللبنانى والضاحية الجنوبية لبيروت لإجبار السكان على الإخلاء، وإعادة تشكيل الخريطة الإقليمية تمهيدًا لإنشاء ممرات تجارية دولية جديدة (راجع مقالنا السابق). وردّت إيران باستهداف مباشر للعمق الإسرائيلى، وتبادلا الضربات. ووسط هذا التصعيد، جاء إسقاط الأباتشى بواسطة المسيّرات الانتحارية المدعومة بالذكاء الاصطناعى ليكشف هشاشة التفوق التقنى الأمريكى، ويدفع واشنطن إلى قصف الداخل الإيرانى.
إلا أن التدخل الأمريكى لم يحقق الردع المنشود، بل أعقبه رد صاروخى إيرانى طال العمق الإقليمى ومحيط القواعد الأمريكية، مستهدفًا قاعدة «على السالم» فى الكويت ومقر الأسطول الخامس فى البحرين، وصولًا إلى قاعدة «موفق السلطى» فى الأردن. وأظهرت صور الأقمار الصناعية سقوط الصواريخ بمحاذاة طائرات F-35 المتراصة فى العراء، إضافة إلى إصابة رادار منظومة «ثاد» التى نُقلت على عجل من كوريا الجنوبية.
وأثبت هذا التصعيد المتبادل أن مفهوم الهدنة الشرق أوسطية الذى روّج له ترامب، والقائم على فرضية الضربات المحدودة المتبادلة، قد انهار بالكامل أمام الواقع؛ فالخصم الإيرانى وحلفاؤه أظهروا أنهم غير قابلين للردع التقليدى، وأن الضربات الأمريكية ستقابل برد فورى ومكافئ. كما أسهمت تهديدات ترامب باستهداف الجسور والمنشآت فى تعزيز التماسك الداخلى الإيرانى بدلًا من إضعافه، وحوّلت حلفاء واشنطن فى الخليج والأردن إلى خطوط دفاع أولى تتلقى الضربات دون قدرة حقيقية على الرد، فى وقت سارعت فيه الكويت والبحرين وقطر إلى إغلاق مجالاتها الجوية وإعلان حالة الطوارئ خشية اتساع رقعة الحرب.
• • •
اقتصاديًا، تتبدد أوهام الحلول السريعة لإدارة ترامب أمام مؤشرات مقلقة؛ فبلوغ التضخم الأمريكى 4.2% يمثل عبئًا سياسيًا واقتصاديًا على رئيس بنى وعوده الانتخابية على خفض الأسعار. وبينما يتحدث ترامب عن نجاح عملية سرية لإخراج النفط عبر مضيق هرمز بواسطة 22 ناقلة، تشير تحقيقات متخصصة لوسائل إعلام دولية -مثل "فاينانشال تايمز"- إلى أن الطاقة القصوى لهذه الناقلات لا تتجاوز 44 مليون برميل شهريًا، مقارنة بنحو 600 مليون برميل شهريًا قبل الحرب. ولولا تراجع الطلب الصينى وإحجام بكين عن زيادة مخزونها النفطى، لكانت الأسعار قد قفزت إلى مستويات يصعب احتواؤها.
ويُلاحظ أن الحصار الإيرانى للمضيق لا يهدد أسواق الطاقة فحسب، بل يمتد إلى قطاع الأسمدة والسلع الأساسية المرتبطة بمواسم زراعية محددة، والتى تسبب احتجازها فى فوات أوانها، ما يعنى أن العالم مقبل على موجة تضخم غذائى عاتية تلحق بأزمة الطاقة وتدفع نحو ركود تضخمى مستدام. وهكذا تتحول التهديدات الأمريكية الرسمية من أوراق ضغط إلى مأزق يفقد فيه ترامب الكثير من أوراقه، بينما تستغل إسرائيل هذا التخبط الأمريكى لتواصل اجتياحها لمدينة صور اللبنانية، بهدف تحويل خط الساحل إلى ممر إقليمى يربط آسيا بأوروبا كبديل لقناة السويس.
تضعنا هذه المواجهة المتفجرة أمام حقيقة استراتيجية بالغة التعقيد، وهى أن التداعيات والاختلالات الهيكلية فى الخليج، التى تضرب مفاصل النظامين العسكرى والاقتصادى العالمى جراء هذا التصعيد، باتت أضخم بكثير من الأجسام المضادة والمستودعات الحمائية المتاحة لدى المجتمع الدولى للجم آثارها وتدارك أضرارها؛ فالأمر لم يعد مجرد مناورة سياسية يمكن احتواؤها بحزمة عقوبات إضافية، أو ضربة عسكرية خاطفة لالتقاط صورة نصر زائف عبر قنابل GBU-57 الثقيلة فوق جبال أصفهان. إن هذا النوع من الحروب المعاصرة فى الشرق الأوسط لا يشبه مباريات كأس العالم التى انطلقت فى الملاعب الأمريكية، حيث تنتهى المنافسة بانتهاء الوقت وإعلان فائز وحيد يرفع الكأس وتنتهى اللعبة، بل هو بمثابة استنزاف مستمر وماراثون طويل، يتم اللعب فيه على النقاط وصراع الإرادات.
باحث فى مجال السياسة والعلاقات الدولية