فيلم لابيد الممنوع
صحافة عربية
آخر تحديث:
الأحد 12 يوليه 2026 - 7:20 م
بتوقيت القاهرة
من الأمور التى أجد تعاملنا معها غريبا، ما نعطيه لأنفسنا من حق انتقاد أوضاعنا، ورفضنا، فى الوقت نفسه، قيام الغير بانتقاد الأوضاع نفسها. لذا أشعر باحترام تجاه من يمتلك مرونة فى مثل هذه الأحوال، بحيث لا يمانع فى قيام الغير بما يسمح لنفسه بالقيام به، فالحق حق، ولو على النفس.
ميشيل جولدبرج، وعشرات «اليهود الأحرار» من أمثالها، لا يترددون فى إدانة جرائم إسرائيل طوال تاريخها، والوقوف ضدها بكل قوة وحزم. ولدت ميشيل لوالدين أمريكيين، وتبلغ الخمسين، وتكتب مقالات رأى فى صحيفة نيويورك تايمز، وسبق أن عملت مراسلة لصحف عدة مرموقة، ووضعت مؤلفات عدة مهمة، ويعرف عنها دورها فى تأييد «حق المرأة فى الإجهاض».
كتبت ميشيل: انتقل المخرج السينمائى الإسرائيلى نداف لابيد إلى فرنسا، عام 2021، بعد أن شعر بأن بلاده تعيش حالة «انهيار أخلاقى تام»، وعندما سوّت إسرائيل غزة بالأرض، وقتلت عشرات الآلاف من أهلها، بعد أحداث 7 أكتوبر، عاد إلى وطنه ليُخرج فيلم «نعم»، فى محاولة لاذعة وسريالية مريرة لتصوير ذلك الانهيار الأخلاقى. تدور أحداث فيلم «نعم» حول عازف بيانو يُعرف فقط باسم «واى»، يُكلَّف بتأليف نشيد وطنى جديد، يُخلّد الإبادة الجماعية فى غزة، ويقتبس اللحن من أغنية حقيقية لفيديو لجماعة قومية إسرائيلية متطرفة، مقدّما رؤية لبلد مُصاب بصدمة نفسية، أصبحت فيه الحياة عبارة عن جنون من الحفلات الصاخبة والتظاهر بالاستقامة، فى محاولة لنسيان ما يحيط بهم من مآسٍ إنسانية.
وصف النقاد الفيلم بأنه يشبه فيلم «منطقة الاهتمام» (2023)، الذى يتناول الحياة الرتيبة لعائلة نازية، تعيش بجوار معسكر أوشفيتز، وكانت تعرف ما كان يجرى فيه من إجرام، لكنها لم تكترث بالأمر أبدا. وفيلم «نعم» يصوّر المأساة نفسها تقريبا، حيث يعرف الجميع ما يجرى فى غزة من دمار وقتل وحرق وتدمير، لكن لا يبدو أن أحدا مكترث لما كان يجرى، بالرغم من أن هؤلاء أنفسهم، سبق أن أدانوا صمت العالم عما كان يجرى فى معسكرات الحرق النازية.
أثار فيلم «نعم» استنكارا شديدا من قادة إسرائيل. ففى ليلة حفل توزيع جوائز أوفير، وهى النسخة الإسرائيلية من جوائز الأوسكار، احتجزت الشرطة بطل الفيلم، الفنان اليسارى أرييل برونز لأسباب ملفقة، قبل أن تطلق سراحه، وكان الغضب الإسرائيلى من الفيلم متوقعا. لكن الأمر الأكثر إثارة للدهشة هو مقاطعة بعض يساريى أوروبا للفيلم ومخرجه، باسم التضامن مع الفلسطينيين. ففى الشهر الماضى، هدّد نحو اثنى عشر مخرجا سينمائيا مؤيدا للفلسطينيين بالانسحاب من مهرجان مارسيليا السينمائى الدولى، بحجة أن لابيد تلقى تمويلا من الحكومة الإسرائيلية، فاضطر للانسحاب من المهرجان، ورغم أن فيلم «نعم» عُرض لأول مرة فى مهرجان «كان» السينمائى، وهو المهرجان السينمائى الأكثر شهرة فى العالم، فإن الكثيرين تجنبوه، بالرغم من إيمان لابيد بمقاطعة إسرائيل، إلا أن مقاطعته أثارت شعورا بالرضا الزائف لدى البعض، علما بأن فيلمه سخر من الإسرائيليين، الذين يرون أنفسهم ضحايا أبديين، ويصرون على أن جميع منتقديهم معادون للسامية.
أحمد الصراف
جريدة القبس الكويتية