التحيات الطيبات

بسمة عبد العزيز
بسمة عبد العزيز

آخر تحديث: الجمعة 12 أغسطس 2016 - 9:15 م بتوقيت القاهرة

منذ وطأت قدماى البلدة البعيدة خلال أشهر الربيع الماضية وحتى جاء موعد المغادرة، لم تمر ساعة دون أن تصادفنى ابتسامة عريضة وتحية عابرة، ولم يكتمل يوم دون أن أرى فيض احتفاء الناس بتفاصيل المعيشة العادية وطقوسها. كانت البلدة باردة، الطقس عصى على التكهن، الشمس الحارقة تسلم موقعها للغيوم ثم تزيحهما الثلوج الخفيفة المتطايرة خلال أيام معدودة، لكن هذا التقلب العنيف المفاجئ لم يكن محلا للشكوى، لا محل إلا للتحيات والتوددات.

ممتنة لخفة وعذوبة الرائحين والغادين من عابرى الشوارع وراكبى المواصلات ومرتادى المقاهى، رحت بدورى أوزع التحية على الجميع. ألقى بها هنا وهناك دون حساب وأستمتع باستقبال المزيد. لم أحظ فى رحلاتى السابقة بالقدر ذاته من البشاشة، صحيح أن الوجوه تبدو فى الجهات الأخرى من الأرض معتدلة، لا يكسوها فى الأغلب هم ولا غم، لكن الوجوه التى صادفتها فى رحلتى هذه لم تكن فقط محايدة، كانت جزلة ودودة بما يثير البهجة وينقل عدواها إلى الآخرين أو هكذا تصورت، إلى أن تم إصلاح المصعد فى مكان إقامتى فبدأت فى استخدامه.

***

كانت البناية التى أقطنها تحوى خليطا من البشر. جنسيات متنوعة وأعمار متفاوتة. كبار وأطفال وشبان وشابات، طلبة مدارس وجامعات وموظفون. فى تجربتى الأولى داخل المصعد، تصرفت بالتلقائية التى اكتسبتها حديثا؛ حييت المحتشدين صعودا وهبوطا مبتسمة فوصلنى رد مقتضب، همهمة لم أميز مفرداتها بوضوح.

تكرر الأمر مرة ومرات بأشكال مختلفة: أدخل المصعد فأجد وجوها عابسة وجباها مقطبة أو أعينا تحدق فى الفراغ وتخترق الأرض، لا تعيرنى انتباها ولا تلتفت إلى تحيتى. صرت مع الوقت أخشى ــ لفرط التجهم ــ أن أنبس ببنت شفة. أخشى أن أقول: يوم سعيد «بونجور» أو ما يكافئها فلا أتلقى سوى الصمت. أخرج من المصعد وأختلط بالبشر فى المحال والأسواق فتعود إشارات الحياة، وتطرق مسامعى التحيات التى تستدعى الابتسامة.

ذات يوم صحبتنى امرأة فى منتصف العمر تدير شئون البناية؛ تهتم بنظافتها وأعطالها وصيانة جمالها وتحافظ على رونقها. أهدتنى ابتسامة واسعة على غير ما اعتدت فى المصعد ثم راحت تسب القاطنين دون تسمية أحدهم. قالت إنهم لا يأبهون لشىء. يلقون القمامة كيفما اتفق. يضعون أيديهم على الزجاج الذى انتهت لتوها من إعطائه بريقا لافتا فيصبح لزجا مضببا. واسيتها فى مصابها آملة أن أعرف السبب لكنها لم تفصح.

***

قبل سفرى بيومين اثنين التقينا فى البهو واستدعينا المصعد وحين توقف أمامنا لاح مكتظا بالناس. خرجت منه سيدة تدفع عربة بداخلها طفل. فور خروجها بدأ باب المصعد يستعد للانغلاق. كان هناك مكان لكلتينا بعد مغادرة السيدة وعربتها، لكن الواقفين المكفهرين كبسوا زر الإغلاق ولم يدعوا لنا فرصة للركوب. راحت رفيقتى تطلق الشتائم بالفرنسية ثم سألتنى عن جنسيتى للمرة الأولى منذ تعارفنا، ولما أجبتها بأننى مصرية انشرحت تمام الانشراح: إذا بتحكى عربى، صاحت ثم اندفعت إلى وصلة سباب قاذع استخدمت فيها اللغة العربية.

منت على المرأة بأسباب انفعالها واستفاضت. قالت إنها عربية هاجرت فى شبابها وإنها تعيش فى البلدة منذ ما يزيد على ربع القرن، وإنها مرت بالكثير والكثير لكنها لم تر مثل هذه التصرفات السيئة إلا حين توافد العرب عليها فى السنوات الأخيرة. قالت إنهم يجلبون معهم جهامة الحياة ويبثون الضيق والشقاء. دافعت حين جاء دورى طويلا واستعرت الحجج وانتحلت الأعذار ونسجت المبررات التى استطعت. الظرف تعيس وأصحاب العروبة عامة فى كرب وبلاء.

دافعت لكننى فى الحقيقة انشغلت بما وراء المظهر الكئيب والفعل المفتقر إلى اللياقة فى عرف أهل المكان، فإنما هى شواهد دالة على جفاف الروح ونضوب الرغبة فى التكيف مع الآخرين والانكفاء على الذات. انشغلت بحالنا وحال جيراننا على وجه البسيطة. الحال التى تجعل من التحية فى البلدة البعيدة إقبالا على الدنيا بمثالبها ومباهجها، بينما تجعلها فى عالمنا القريب أشبه بالاعتذار؛ اعتذار عن الوجود وعن الحياة ذاتها، تحية تصبح أحيانا كما اللوم والتقريع.

***

كففت عن إلقاء التحية كلما توسمت فى الصاعدين أو الهابطين عروبة بائسة؛ سواء وشت ملامحهم بحدود المشرق أو المغرب العربى أو أى بلد ناطق بالحاء والضاد. كففت عن التلفظ باليوم السعيد وكفيت نفسى شر الحرج.

عدت أخيرا إلى أرض الوطن واستعدت الذاكرة. الناس أغلبهم فى جهامة وأنا مثلهم والشوارع عابسة مكفهرة وثمة اتفاق ضمنى على الامتناع عن بث مشاعر الود. العلة حاضرة والسؤال عنها يبدو ساذجا بما يكفى كى لا يحظى بمحاولة الإجابة.

***

صبيحة تنحى مبارك، لم يكن من حديث لنا سوى تلك الابتسامة الغائبة التى ظهرت أخيرا، وعلت الشفاه وكسرت تصلبها على وضع الزم وأزالت ما حولها من تجاعيد البؤس والضيق، ابتسامة رائقة مستبشرة بالقادم، عريضة كأن الحياة نفسها مقبلة بكامل بهائها. ابتسامة من أصابه يأس كبير ثم انفتحت أمامه أبواب الأمل على غير توقع وأهدته هواء طازجا. مرت مذ ذاك الحين سنوات خمس، تلاشت خلالها الابتسامة وتعطن هواء المنطقة بأسرها وصار العرب فى حال القنوط.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2021 ShoroukNews. All rights reserved