تقييم وإعادة توجيه مسيرة الاقتصاد العربى

علي محمد فخرو
علي محمد فخرو

آخر تحديث: الأربعاء 12 أغسطس 2026 - 6:35 م بتوقيت القاهرة

فى ظل تردّى الأوضاع الحياتية والمجتمعية، بكل أنواعها ومستوياتها، فى الوطن العربى إبان العديد من العقود الزمنية الأخيرة كثرت المقترحات حول ضرورة الانتقال إلى مبادئ وأهداف ووسائل جديدة. وتركزت كثير من تلك المقترحات فى المجال السياسى، وعلى الأخص على إصلاح وتطوير نظم الحكم العربية.

 


لكن فى اعتقادى يجب إعطاء نفس الأهمية للمجال الاقتصادى الذى له تأثيراته الهائلة المتشابكة على المجال السياسى من جهة، والذى فيه الكثير من النواقص الذاتية التى نتجت عن تبنى الوطن العربى، مع بقية العالم، لمبادئ وأهداف وسلوكيات الاقتصاد العولمى النيوليبرالى الذى أطلقته منذ ثمانينيات القرن الماضى، ونشرته ورسخته، الدول الرأسمالية الاستعمارية الغربية فى الدرجة الأولى.
الآن لا يمر يوم دون صدور دراسات ناقدة متعمّقة فى مختلف بلدان العالم حول نواقص ومآسى وكوارث تطبيقات نظام ذلك النظام الاقتصادى المبنى على حرية الأسواق دون ضوابط ولا موازين قيميّة، التى بدورها قادت إلى مزيد من فقر الفقراء ومزيد من غنى القلة الغنية فى العالم كله، وأدت إلى تقليص حجم ونشاطات دولة الرعاية الاجتماعية وبالتالى تقليص توفر التزامات الحكومات للنظامين الصحى والتعليمى للفقراء والمهمشين وذوى الدخل المحدود.
وإذن فكل العالم قد دخل مؤخرًا فى مناقشة سبل الخروج من ذلك النظام السياسى الاقتصادى الظالم. وهو ما يستدعى أن يقوم الوطن العربى بمناقشة ذلك النظام الذى أدخل الوطن العربى نفسه فيه منذ سبعينيات القرن الماضى، بل وتعاون بعضه مع القوى الرأسمالية الاستعمارية لترسيخه فى كل أرض العرب.
هذا موضوع كبير ومعقد، ولكن علينا مواجهته بعلمية تاريخانية وعقلانية وقيم إنسانية دون خوف ولا وجل، وقبل أن نصل إلى كوارث اقتصادية ومالية وتنموية لن تبقى ولن تذر.
سنناقش هذا الموضوع فى كثير من مقالاتنا الأسبوعية القادمة، ونتمنى أن يشارك الأخوة الملتزمون المهتمون فى النقاش، إذ فيما عدى موضوعى مقاومة الاستعمار والصهيونية ونوحّد أمة العرب، الموضوعين الوجوديين العربيين، يأتى هذا الموضوع الاقتصادى التنموى فى قمة أولويات هذه الأمة.
ومنذ البداية يهمنا أن تدرك شابات هذه الأمة ويدرك شبابها أن هذا الموضوع ليس تخصصيا ولا يقتصر فهمه ومواجهته على مجموعات العارفين وإنما هو موضوع يهتم كل مواطن عربى بدون استثناء، وهو فى قلب موضوع التخلف الحضارى التاريخى العربى الذى نعيشه حالياً. وسنقيم هذا الموضوع، بدءًا من نظرة تاريخية بدأت بعد استقلال أقطار الوطن العربى، مرورا بمرحلة حكم الاستقلال، وانتهاء بالمرحلة العولمية النيوليبرالية التى يعيشها العالم كله.
الغوص فى التاريخ العربى الحديث، بالنسبة للموضوع الاقتصادى، وبالنسبة للمواضيع السياسية الاجتماعية والثقافية التى لعبت أدورًا فى نوعية مكوناته الناجحة وأيضًا فى تراجعاته الأخيرة التى نتجت عن مؤامرات مصدرى الاستعمار الصهيونية.. هذا الغوض ضرورى لإبراز ما يمكن أن نتعلمه من تجربة الوطن العربى الذاتية الرائعة فى بناء تنمية أكثر عدالة وإنسانية مما نبنيه الآن، أى تجربة بناء دولة الرأسمالية الاشتراكية.
وبالطبع ستقودنا تلك المحاولة لطرح مواضيع من مثل الأيديولوجيات الفكرية وتطبيقاتها فى الواقع العربى التى حكمت تلك التجارب التنموية الشاملة التى ناضل العرب، منذ عقود قليلة فقط، بتضحيات وجهود هائلة لتثبيتها فى أرض وطن ما بعد الاستقلال العربى.
وسيعرف شباب وشابات الأمة أن مثل هكذا مراجعات وأخذ دروس تجرى حاليا فى كل مناطق العالم، بعد أن عرف الجميع، ومنهم نحن العرب نوع وحجم أكاذيب هذا العالم عبر العقود القليلة الماضية.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved