الأشجار والتخضير والبيئة
إبراهيم عوض
آخر تحديث:
السبت 12 سبتمبر 2026 - 6:30 م
بتوقيت القاهرة
كان تكليف رئيس الجمهورية للحكومة بالكف عن اقتلاع الأشجار وبتخضير القاهرة بمثابة ضربة البداية لتحركات نشطة من أجل وضع التكليف موضع النفاذ. الحكومة نشطت وهى سارعت إلى توسعة نطاق التكليف من القاهرة الكبرى إلى المحافظات، وهى خيرًا فعلت بذلك. نشاط الأجهزة الحكومية تمثل فى الإعلان عن توجيهات بتوسيع الرقعات الخضراء وزراعة الأشجار، صاحبه ما يمكن اعتباره نبرة دفاعية تبرر الهجمات المتكررة واسعة النطاق، منعدمة الرحمة، عليها فيما يقرب من العشر سنوات الماضية وخاصةً الخمس الأخيرة منها.
المراقب يتعجب ويتساءل. إن كانت القاهرة وغيرها من المحافظات تحتاج إلى أشجار ومساحات خضراء، وهو فى حقيقته احتياج يشعر به سكانها، فكيف لم تنتبه الحكومة إليه من قبل؟ هل ينبغى أن يصوغ رئيس الجمهورية احتياجات المواطنين لكى تتحرك أجهزة الحكم؟ أليس المفترض فيها أن تتحرك من تلقاء نفسها؟ الحكم هو تقويم الاحتياجات، بل هو توقعها قبل أن تصبح ماسة، والعمل على تلبيتها، ينطبق ذلك على كل مجالات السياسات، من الحضرية، إلى الاقتصادية، إلى الخارجية منها، وغيرها. وطالما ثمة حاجة للأشجار والمساحات الخضراء، فلماذا اقتلعت الأولى وجرفت الثانية، وهو ما يثير مسألة عملية اتخاذ القرار بشأن هذه وتلك. ليس معروفًا من اتخذ قرارات الاقتلاع والتجريف. المفترض أن هيئات الحكم المحلى التى ينتخبها المواطنون وتمثلهم هى التى تتخذ القرارات بشأن بيئة كل منها. مثل هذه الهيئات المنتخبة ستكون حريصة على تلبية احتياجات السكان فى مناطق ولايتها. منذ ما يربو على الخمسة عشر عامًا لا توجد فى مصر هيئات للحكم المحلى.
غير أن آثار تكليف رئيس الجمهورية لم تقتصر على نشاط الحكومة فى التوجيه والإعلان عن نية التشجير والتوسع فى المساحات الخضراء. أعضاء فى البرلمان رفعوا أصواتهم منددين بالقطع المستمر للأشجار ومنهم من طالب بمحاسبة المسئولين عن تراجع المساحات الخضراء. والصحافة بما فيها الشروق، صحيفتنا الغراء، فتحت صفحاتها للسكان المضارين وللمختصين فأجمعوا على استنكار ما حدث وعلى أهمية الخضرة للبيئة. المقصود هو البيئة المحلية التى يعيش فيها السكان، والبيئة فى مصر المعرضة للتصحر من جانب، ولأن تنغمر بمياه البحار والمحيطات التى ترتفع مناسيبها، من جانب آخر. بهذا المعنى، وهو الشىء البديهى، البيئة فى مصر جزء من البيئة الكونية التى يجب أن نحرص على رعايتها لأنها رعاية لأنفسنا ولشروط حياتنا.
اللافت للمراقب هو أن تحليلات السكان والخبراء المختصين ثاقبة وعميقة ومتعددة المناظير. لو كان من اقتلعوا الأشجار وجرفوا المساحات الخضراء قد استطلعوها لجنّبوا البيئة وسكانها ما لحق بها وبهم، ولوفروا على الدولة الإنفاق العام على إعادة التشجير والتخضير. غير أن المسألة تتعلق بالبيئة برمتها وهى ليست مجرد تشجير وتخضير. البيئة التى نعنى بها فيما تبقى من المقال هى البيئة المحلية التى يعيش فيها السكان وليس البيئة الكونية على أهميتها لنا فى مصر مباشرة.
القائلون بالحجة الرئيسية فى حديث تبرير اقتلاع الأشجار ربطوا من أنفسهم بينه وبين البيئة المحيطة. الحجة هى أن الأشجار اقتلعت، والجزر الخضراء فى منتصف الشوارع العريضة جرفت، من أجل تحقيق الانسيابية للمرور. حجة ثانوية مرتبطة بالرئيسية قدمها من قدمها هى أن بعض هذه الأشجار المقتلعة تعدت أعمارها المائة عام! بعض الأشجار فى عالمنا تعدت أعمارها آلاف الأعوام! التوقف عند هذه الحجة الثانوية لا ضرورة له. المهم هو الإشارة إلى ما جاء به أستاذ جامعى تحدث إلى الشروق قائلًا إن جذور الأشجار المعمرة تثبّت التربة، وتحدّ من تعرضها للانجراف، وتساعدها على الاحتفاظ بالمياه، «وتسهم فى تنظيم دورة المياه داخل البيئة المحلية». أما انسيابية المرور فهى لا تتحقق بمجرد توسعة الشوارع لكى تعدو عليها السيارات. يمكن أن تقتلع الأشجار وتتسع الشوارع ومع ذلك يتعرقل السير لأن الاتساع تحقق على حساب الأرصفة. والحرص على أن تسير السيارات بدون ما يوقفها أدى إلى اختفاء ممرات عبور المشاة. نتيجة هذا وذاك أن المشاة نزلوا إلى أنهار الشوارع يسيرون فيها وعبروها فى أى مكان كيفما اتفق فهدأت بعض السيارات من سرعاتها أو توقفت لتراعى وتحافظ على سلامتهم، محبطةً بذلك الانسيابية المنشودة. نتيجة ثانية هى أن سيارات أخرى لم تهدئ من سرعتها أو لم تتوقع مرور المشاة حيث لا توجد ممرات لهم فحصدت أرواحهم. سلامة المواطنين وأمانهم وأرواحهم هى ثمن الانسيابية المنشودة غير المدروسة.
المقصد هو البيئة. الزرع، وتنظيم المرور، ودرء التلوث، والمعمار، يجب أن تسهم جميعًا فى توفير البيئة الصحية والآمنة للسكان من مواطنين وزائرين. كل من هذه المجالات ينبغى تنظيمه، ولكن فى اتساق بينها جميعًا. قواعد تنظيم المساحات الخضراء يجب أن تدرأ التلوث لا أن تضيف إليه. المعمار لا يجب أن يؤدى إلى التكدس فيوقف المرور ويلوث البيئة. كل مجال منها مركب فى حد ذاته. خذ المرور. يوجد تنظيم سير كل من السيارات، والحافلات، وعربات النقل الكبيرة والمتوسطة والصغيرة، والدراجات النارية، والدراجات، وتنظيم توقفها، وقبلها كلها تنظيم سير المشاة وعبورهم الشوارع فى أمان، والمشاة هم الأغلبية الساحقة من المتحركين فى شوارع مصر. التنظيم الضرورى يتطلب توعية ممتدة بمختلف وسائط الاتصال، بل وبدءًا من المدارس، بقواعد السير والتوقف، وهو بعد ذلك يستدعى مراقبة احترام القواعد وإنفاذها. ويزداد التركيب وضوحًا بالتشديد على حسن تصميم الشوارع وتعديل المعوج منها، وتوجيه المركبات والمشاة إلى سلامة استخدامها. هذه القواعد كلها إن تكاملت تكفل الانسيابية ولكن، مرة أخرى، على ألا تكون على حساب الزرع أو التلوث.
ذكرنا أن المقصد هو البيئة الصحية والآمنة. صحة الإنسان هى صحته البدنية والنفسية كما يرد ذلك فى المواثيق الدولية، وهى الشىء البديهى على أى حال بصرف النظر عن المواثيق الدولية. المساحات الخضراء والمتنزهات، خاصةً فى ظروف المدن المتكدسة حيث ترتفع كثافة السكان ارتفاعًا هائلًا كما هى حال المدن المصرية، ضرورية تمامًا للترويح عن المواطنين والتخفيف عنهم ولتأمين سلامة صحتهم النفسية. ما ينطبق على المتنزهات ينسحب على وصول المواطنين إلى نهر النيل وتمتعهم به كمصدر للترويح عنهم. النيل ليس فقط للزراعة والشرب وتوفير المياه للصناعة. هو أيضًا فرج للناس. ضمان الصحة النفسية، فضلًا عن البدنية، هدف رئيسى للسياسات العامة وهو، للمهتمين بالتكاليف المالية لكل خطوة، يوفر تكاليف علاج من تعتل صحتهم، علاوة على أن المواطنين الأصحاء هم مشاركون فعالون فى بناء اقتصادات بلدانهم.
يبقى أن نتحدث عما قد يعتبره البعض ترفًا وهو الجمال. البيئة القبيحة تؤثر سلبًا فى نفسية الإنسان وبالتالى فى صحته النفسية. والقبح بصرى وسمعى. القمامة قبح، والإعلانات فى كل مكان قبح وفيها خطورة إن كانت متحركة وتشتت انتباه قائدى المركبات، والضوضاء قبح. الأشجار والمساحات الخضراء التى تزرع لن تؤتى آثارها المرجوة طالما بقى القبح مطلًا من نوافذ أخرى.
تأمين البيئة الآمنة والصحية مسألة مركبة. فى عالمنا المعاصر كل شىء مركب، ولكن لكل ما هو مركب قواعده التى تبسّط تنظيمه، وخبراؤه الذين يجتهدون فى وضع هذه القواعد وفى فهمها وتطبيقها. البيئة التى يعيش فيها الناس هى مجال التخطيط العمرانى ودارسو التخطيط العمرانى وخبراؤه هم أفضل من يمكن أن يتصدوا لتحقيقها مستعينين بالخبراء فيما يمكن اعتباره مجالاتها الفرعية.
أيا كان ما لحق بالخضرة، والمرور، والتلوث، والمعمار فى السنوات الأخيرة، فإنه يمكن علاجه بالسياسات المدروسة التى تُوفّر لها الموارد، ويقوم عليها المختصون، وتصح بشأنها عمليات اتخاذ القرار.
إن رجعنا إلى القاهرة وحدها فهى مدينة فريدة بما فيها تستحق أن تبذل من أجلها الجهود لتعود مصدرًا للفخر الذى هى جديرة به.
أستاذ الأبحاث بالجامعة الأمريكية بالقاهرة