التنمية البشرية وشبابنا

الأب رفيق جريش
الأب رفيق جريش

آخر تحديث: السبت 12 سبتمبر 2026 - 6:35 م بتوقيت القاهرة

أصبحت التنمية البشرية فى عصرنا الحاضر جزءًا أساسيًا من حياة الإنسان، وانتشرت برامجها ودوراتها فى الشركات والمؤسسات التعليمية والثقافية والعلمية، وفى النوادى ومؤتمرات الشباب، حاملة معها الكثير من الموضوعات والمهارات التى تهدف إلى تطوير الإنسان ومساعدته على اكتشاف قدراته وتحسين أدائه فى الحياة والعمل. ولا شك أن تنمية الإنسان لقدراته ومواهبه أمر إيجابى ومطلوب، ما دام يتم فى إطار متوازن يحترم طبيعة الإنسان وكرامته وعلاقته بالله وبالآخر.

مثال على ذلك تقنيات التنمية البشرية المتوافرة اليوم لتدريب وتقوية الذاكرة، وإدارة الوقت، وإدارة النزاعات، وفنون التواصل، وتنمية القدرات الدماغية، وتنمية القدرات النفسية، وأيضًا قدرات التحكم فى قرارات الآخرين وإقناعهم والسيطرة عليهم، وتنمية الموارد المالية، والتنظيم الإدارى إلخ. مع الإشارة إلى أنه لا وجود لقدرات لامحدودة للإنسان كما يروج رواد التنمية ومدربو الحياة؛ لأن الإنسان محدود فى طبيعته البشرية. ولكن هل تنمى هذه الإيجابيات فضيلة المحبة بمفهومها المسيحى؟ وما الأخطار التى قد نواجهها فى تقنيات التنمية البشرية؟

أولًا: من انحرافات التنمية البشرية الممكنة، تنمية «الأنا»، والغرور والأنانية، والتمحور حول الذات. مع الاعتراف بالحق المشروع فى تنمية القدرات البشرية. لا شك أن تنمية القدرات الشخصية يمكن أن تجعل العمل أكثر تنظيمًا وفاعلية. لكن يفصل بين شخصين، أحدهما اهتم بتنمية شخصيته وآخر لم تكن له قدرات بشرية كبيرة إلا أنه أحب كثيرًا. الشخص الذى لم يحضر دورات فى البرمجة اللغوية العصبية، أو فى العلاج بحركات بؤبؤ العين، أو التحليل التفاعلى أو السوفرولوجى، لا شك أن لديه قلبًا أكثر نموًا من المتخرج فى العلوم الإنسانية والذى بقى، ويا للأسف، متمحورًا حول ذاته وأنانيًا. فى هذه الحال لا قيمة بتاتًا لشهاداته. هذا لا يعنى أن نتخلى عن العلم والشهادات، لكن أن نعى خطورة الانتفاخ والتمحور حول الذات.

أغلب المواضيع الأساسية فى التنمية البشرية تتمحور حول الذات: تهتم بالتعامل مع الانتقادات الموجهة نحو الذات، وكيف تكون الأنا فى حالة إيجابية لتكون أكثر سعادة، تهتم بكيفية إدارة المشاعر الذاتية، والتعرف على الأدوار الممكن أن نلعبها فى الحياة، وإدارة وقتنا، وتحفيز وإثبات الذات، وتنمية القدرات الذاتية، وشفاء الذاكرة الذاتية، ومسامحة الذات ومسامحة الآخر، والمصالحة مع الماضى الشخصى، والتعرف على الذات، ومحبة الذات،… لكن محورية الذات تشكل عائقًا أمام الاتحاد بالآخر؛ لأنها تغذى الأنانية والنرجسية. وهذا ينطبق أيضًا على تقنيات التنمية التأملية المستوحاة من ديانات الشرق الأقصى.

فى وصفه لأهمية التأمل الصامت، يشير أوجوستين جييوران إلى أن مصدر حزننا هو فى تأملنا لذواتنا، بينما مصدر الفرح هو أن نوجه أنظارنا نحو الله لنفتكر بالله بدل أن نفتكر بذواتنا. يتبين لنا كيف أن محورية الذات فى تقنيات التنمية البشرية وتأمل حركات الأنا الداخلية، مصدرٌ أولى لتعاستنا. بينما السعادة الحقيقية هى فى الخروج من «الأنا» إلى «أنت» الله، لنتأمل جمال وجهه. «يا رب وجهك وحده ألتمس»!

ثانيًا: الاختزال الأنتولوجى الوجودى يُقصد به أن تُختزل الأنا فى بُعد التنمية البشرية فقط. التنمية البشرية المتكاملة لا تهمل تنمية القدرات البشرية، لكن توضع فى إطار احترام الآخر والتعامل معه. إن التنمية البشرية المبالغ فيها تحجم الإنسان وتجعل منه مجرد آلة تعمل بشكل جيد أو كائنا تكنولوجيا لامعًا روحيًا فى الظاهر. لكن لا يمكن اختزال الكائن البشرى فى تنمية بشرية فقط: يلزمه نموٌ متكامل يمر حتمًا عبر البعد الروحى ليُعيد موضعة الإنسان ككائن بشرى مخلوق. إذن ضمن محدودية. لكن نظريات التنمية البشرية لا تأخذ بهذه المحدودية، بل على العكس، تتكلم عن قدرات الإنسان اللامحدودة. هنا يكمن خطر «البلاجية»، أى خطر الاعتماد على الجهد البشرى وإهمال عمل النعمة فى محاولة لخلق نوع من الكمال الوهمى. هكذا وهو يهتم بتنميته الشخصية، يكتفى بذاته ولا يعود بحاجة إلى آخر أكبر منه.

إن «التنمية البشرية المتكاملة» التى هى موضوع الإرشادات تتجنب هذا الاختزال الأنتولوجى، يعنى أن تختزل الإنسان فى الإنسان. فالإنسان المخلوق على صورة الله ومثاله، فالإنسان هو أسمى المخلوقات، نفخ الله فى أنفه نسمة حياة من حياته، خلقه على صورته ومثاله وسلطه على الخلائق كلها. إنه كائنٌ مدعو لعيش مع ومن أجل الآخر.

فالإنسان لا يكتمل عندما يكتشف فقط ما يستطيع أن يفعله، بل عندما يكتشف أيضًا لمن يعيش، ولمن يهب ما أعطاه الله من مواهب. ومن «الأنا» إلى «أنت» الله، تبدأ رحلة الإنسان نحو إنسانيته الحقيقية.

 

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved