«أصدقائى».. مرايا الغربة والوطن

محمود عبد الشكور
محمود عبد الشكور

آخر تحديث: السبت 12 سبتمبر 2026 - 6:40 م بتوقيت القاهرة

الروايات الثرية ببنائها وشخصياتها وأحداثها وأسئلتها يُمكن أن تقرأ من أكثر من زاوية، ويمكن أن تتقاطع مع أكثر من قراءة، ولكنها تترك فى النهاية أثرًا قويا وعميقًا، وتظل طويلًا فى الذاكرة بأطيافها وأجوائها، وبالطريقة التى تكتشف بها الحياة والأحياء، والفرد والعالم.

رواية «أصدقائى» لهشام مطر، التى صدرت عن (دار الشروق) بترجمة زوينة آل تويه، ومراجعة إبراهيم شريف، تمتلك هذا الثراء، ويمكن أن تراها من زوايا مختلفة، تتكامل معا لترسم عالما يخصّ شخصياتها، بقدر ما يخص وطنهم ليبيا، بل لعل هذه السردية الطويلة تجعل من الشخصيات «مرايا» لما حدث للوطن، من سنوات الديكتاتورية، إلى أيام الثورة.

نحن - إذن - أمام استدعاء للماضى والتاريخ، ولكن عبر التفاصيل الإنسانية، والخيارات الصعبة، والعواطف المكبوتة، ومن خلال شخصيات ثلاث محورية، تبلورت صداقتهم فى الغربة، عاد منهم اثنان إلى ليبيا فى أيام الثورة، بينما بقى الثالث فى لندن، وهو السارد والحكّاء الذى يروى سيرة أصدقائه، فلا يجد مفرًا من أن يحكى قصة وطنه، وغربته، وزمنه، ورحلة هذا الجيل المغترب.

تستطيع، أولًا، أن تقرأ «أصدقائى» بمعناها الأقرب كتحية عذبة إلى الصداقة، ليس فقط بما تهديه لنا من أشخاص نحبهم ونألفهم، ولكن أيضًا بخصوصية الحالة الليبية، لأن الراوى خالد كمال عبد الهادى، سيجد فى صديقيه حسام زوّة، ومصطفى التونى، مرايا لصورة وونس الوطن، وعندما يعود حسام ومصطفى، وينضمان إلى الثوار، ويسهمان فى القبض على القذافى، فإن رسائلهما إلى خالد تجعل ليبيا حاضرة من جديد.

الليبيون الثلاثة رغم حياتهم فى لندن، فإنهم يترجمون سطوة الوطن، وبقاء الذاكرة فى الحقائب، يحدث ذلك عبر الخاص والشخصى، ذلك أن قصة قصيرة كتبها حسام، وأذيعت فى محطة «بى بى سى» بصوت المذيع الليبى المغدور محمد مصطفى رمضان، وهو شخصية حقيقية اغتيلت فى لندن، قد غيرت حياة خالد، كما أن مصطفى أصيب بالرصاص هو وخالد أثناء تظاهرهما أمام السفارة الليبية، فى الواقعة الشهيرة فى العام 1984.

الصداقة هنا لا تصبح فحسب لقاءات وحوارات ولحظات لقاء ووداع، بل تبدو كذلك «وطنًا بديلًا» لا يفارق الشخصيات، حتى لو ارتحلت عبر المدن، وحتى لو حصلت على اللجوء السياسى، وأصبحت تحمل درجة فى الأدب الإنجليزى مثل خالد.

تُقرأ الرواية ثانيًا، وبالأساس، باعتبارها رحلة فى الزمن، الذى يقوم بكشف الوجوه والأقنعة، وتغيير الأحوال والمصائر، والزمن الروائى هنا مزدوج: حاضر يمثله يوم واحد هو 18 نوفمبر 2016، بعد وداع خالد لصديقه حسام، المسافر إلى باريس ومنها إلى أمريكا حيث سيقيم. يختار خالد أن يسير إلى منزله، مارا بأماكن جمعته مع صديقه، فيستدعى الماضى كله، بعمق ذاكرة الغربة والبلاد (ليبيا)، وعبر بتاريخ طويل يقترب من نصف القرن.

يوم واحد يستدعى التاريخ الشخصى والعام، ولكن رواية «أصدقائى» لا تلقى بالمسئولية على الظروف والأحوال، ولا تتحرّى الإدانة واللوم، وإنما تقدم الحياة وفق تفاعل الإنسان مع ظروفه، وعبر اختيارات معقّدة، وفى إطار أحوال كل فترة.

الزمن هنا بطل خفى ومؤثر كالطباع والأماكن (لندن، وبنى غازى، ودرنة، وباريس)، والبشر حقيقيون جدا بلحظات ضعفهم وقوتهم، تمامًا مثل بطل قصة حسام، عن تلك القطة التى تلتهم أعضاء الرجل الصامت.

ثالثًا: يمكن قراءة الحكايات الثلاث للأصدقاء فى تداخلها باعتبارها محاولة مستمرة للاكتشاف والتكيف والتصالح مع الذات. خالد الذى كاد أن يموت برصاصة أمام سفارة ليبيا، لن يعود مع حسام وخالد، وسيظل عالقًا فى لندن، لديه الآن حياة لا يريد أن يخسرها، بينما يتحول مصطفى، صاحب مكتب العقارات، إلى قائد ميليشيا فى ليبيا، ويقاتل حسام معه، ثم يترك وطنه إلى أمريكا، يهاجر إلى المستقبل، بينما يتراجع مصطفى إلى الماضى.

محاولات متغيرّة ودائمة لاكتشاف الذات والتكيّف، منحت الرواية حيوية كبيرة، وجعلتها بلا نهاية، لأن الصراع لم ينته داخل الشخصيات، ولم ينته أيضًا داخل ليبيا، ولكن الشىء الوحيد الثابت هو أن البلاد لا تترك أصحابها، ولا يتأثر ذلك بتغيّر الزمان أو المكان.

انحيازات هشام مطر، رابعًا، واضحة فى إدانة القمع والقتل والديكتاتورية، قرأنا ذلك فى رواياته السابقة، وهنا أيضًا تحليل عميق لما تفعله الديكتاتورية داخل البشر، وبتنويعات كثيرة، من خوف والد خالد، المؤرخ الصامت، إلى إهانة والد حسام، الذى خرج ليتبرأ من ابنه، وانتهى بفقدان الذاكرة، وصولًا إلى كتبة التقارير بين المبعوثين، والقتلة المحترفين داخل السفارة الليبية، وأمام المساجد، وبرامج الاعترافات المهينة فى التليفزيون، وأمام الكاميرات.

«أصدقائى» تدين وتفضح هذا التخريب للفرد وللمجتمع، وفى أحد أفضل فصول الرواية، يلتقى خالد بالصدفة مع كاتبه المفضّل حسام، الأخير ترك الكتابة، ويعمل موظف استقبال فى باريس، وعندما يجلسان على مقهى، ويتأكد أنهما من نفس المدينة، تثور هواجس كل طرف، خشية أن يكون الطرف الآخر جاسوسًا للديكتاتور، ويتحرّى حسام على كل معلومة قالها خالد، قبل أن يصبح صديقًا له.

القمع والديكتاتورية فى الرواية يجبران خالد ومصطفى على ارتداء الأقنعة فى المظاهرة، وعلى تغيير اسميهما عند نقلهما مصابين إلى المستشفى، وحسام أيضًا يختار اسمًا مستعارًا أثناء عمله فى فندق باريس. هكذا يعيش أبناء البلاد مغتربين ومطاردين، وهكذا يتصل خالد بأسرته، وبينما طرف ثالث يستمع ويرصد.

لكن نظرة مطر المنحازة إلى الجذور تأخذ الفروع إلى السماء، الأصدقاء هنا ليسوا ليبيين فقط، ولكن لدينا هنرى ولبروك الأستاذ والراعى لموهبة خالد، وهانا حبيبة خالد، وكلير حبيبة حسام، ورنا الصديقة المخلصة والمنقذة لخالد.

لا تناقض بين النظرة الإنسانية (حتى فيما يتعلّق بآراء خالد فى الصلات القوية بين الأدباء والشعراء) وبين التمسك بالجذور، وإن كانت كلير لا تستحق ما فعله حسام معها، إذ يكن فى حاجة عمومًا للزواج فى ليبيا!

فى النهاية سيفترق الأصدقاء، ولكن ستبقى الصداقة، ويبقى الوطن، وتبقى الذاكرة.

 

 

 

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved