لهم.. للشهداء العاشقين للحياة

خولة مطر
خولة مطر

آخر تحديث: الإثنين 12 أكتوبر 2015 - 10:05 ص بتوقيت القاهرة

عن الشهداء كانت تحدثنى شمس فلسطين الخريفية والشوارع التى اغتسلت بزخات مطر الخريف القادم قد تطهرت بدمائهم. كلهم صبية وفتيات وأطفال وقفنا، ليعلن أن هذا الواقع المذل الذى ارتضاه القادة والزعماء وبقايا الأنظمة المتهاوية، قالوا إنهم لن يقبلوا به وأنه لم يعد محتمل. خرجوا مرة أخرى بحجارتهم طهارتهم وكثير من حبهم للأرض. راحوا يصطفون يتسابقون، ليس للشهادة بل للحياة، ألم يقل درويش، إننا نحب الحياة. هم يحبون الحياة ويعشقون الأرض تلك التى اسمها فلسطين. تلك التى لم يجد إعلامنا ــ الموجه جداــ حد الهزلية والكثير من القرف، لم يجد مساحات ليفردها لهم حتى بحجم أجسادهم الصغيرة الطرية التى حشرت بين التراب، بعد أن حملتها الأكتاف وغسلها الكثير من الدمع.

•••

عن أكثر من 11.500 طفل معتقل فى سجون إسرائيل وعن أكثر من 2587 طفلا فلسطينيا منذ عام ٢٠٠٠ فى فلسطين، عن 21.737 طفل جريح وعن ١٣٩٢ طفلا فلسطينيا أصيب بإعاقة مستدامة. عن مهند الحلبى «٢٠ عاما» الذى سقط عند حاجز بيت سيرا. وعن حذيفة عثمان الذى استشهد فى طولكرم، عن مهند الحلبى الذى حمل نعشه الصغير فى مدينته البيرة، وعن ذاك الشاب الآخر فى البيرة الذى انزلق بين عجلات سياراتهم المصفحة، التى راح تكرر المحاولة لدهسه أمام أعين العالم، عن أحمد دوابشة بوجهه الملائكى وهو يكابد ألم الحروق، عن الطفلة شيما أحمد «١٥ عاما» التى اعتقلتها شرطتهم، عن فتيات التحفن بالكوفية الفلسطينية وخرجن ليشاركن إخوتهم فى رفض القمع والذل. عن مسلمين ومسيحيين جمعتهم فلسطين، بينما افترق كل العرب بين مسلم ومسيحى وسنى وشيعى، عنهم تحدث كل الإعلام فى العالم حتى ذاك الذى كان سبب مأساتهم، مأساة فلسطين إلا إعلامنا العربى جدا القادم من غرف مظلمة تحكمها السياسات الحمقاء، التى أوصلت هذه الدول إلى مشارف الهاوية.
عن القدس التى كنا نقول إنها لنا كلنا فأصبحت اليوم تسرق علانية أمام كاميراتهم هم أيضا وبعض من إعلامنا، والعالم ينادى بحماية المستوطنين المغتصبين، أولئك الذين استباحوا فلسطين أرضا وشعبا وشجرا وزيتونا وهواء وتراثا وثقافة وحتى الطعام الذى حولوه إلى مادة لإثبات أحقيتهم فى البقاء على أرضنا وأحقيتهم فى العيش فى فلسطين، التى غيروا أسماء قراها ومدنها، فراح ذاك الفلسطينى الصامد يعيد التذكير بأسمائها الحقيقية. وحده أعاد رسم الخرائط حتى لا ننسى.. وحده الفلسطينى الأعزل إلا من عشق لتلك الأرض وشجر زيتونها والبيارات وكنافة الصباح والحمص، الذى هو الآخر حولوه إلى أكلة شعبية لدولتهم وراحوا يقيمون المهرجانات فى عواصم الكون، يوزعون التطريز الفلسطينى وكثير من سرقاتهم بما فيها طبق الحمص الفلسطينى الشهى! ما الذى بقى لم يحاولوا سرقته؟

•••

يقول تقرير لـ «ريتشارد فالاك» مقرر الأمم المتحدة الخاص حول حقوق الإنسان فى الأراضى الفلسطينية، إن إسرائيل تقوم بتطهير عرقى فى فلسطين. وإنها تعمل وبشكل مستمر على تغيير التركيبة العرقية فى القدس الشرقية. وأنهاــ أى إسرائيل وخلال السنوات الأخيرة الماضية، قد صعبت على الفلسطينيين السكن فى القدس، فيما سمحت ببناء المستوطنين والذى هو غير شرعى ولا قانونى بناء على القانون الدولى. وإنه منذ عام ١٩٩٦ فقد أكثر من ١١ ألف فلسطينى حقهم فى العيش فى القدس. وهذا ما هو إلا جزء بسيط من أعداد أخرى من الفلسطينيين ستفقد حقها فى العيش فى القدس مدينة المدن وعروستها.
عندما استفاقت القدس على صراخ تلك الطفلة فى وجه الجنود، لتقول لهم هذه أرضنا وسنبقى عليها وهى تقف وخلفها جيوشهم القادمة لتخرج السكان العزل وتدفع بالكثير من الشابات والشباب إلى الاعتقال. تقف تلك السيدة وتتقدم تمسح بيدها على شعر الطفلة وتردد «الله يحميك» لأنه فى فلسطين، لم يبقَ للفلسطينى سوى الله ليحميه ويحمى أرضه، فأولئك الواقفون عند قاعات الاجتماعات الكبرى، قد أكثروا من الكلام الممزوج المنمق الذى لكثرة تكراره لم يعد ذا قيمة ولا معنى. لأن نفسهم المصطفون بملابسهم الأنيقة وعرباتهم الفاخرة أمام قاعات الاجتماعات وأمام مبنى جامعتهم التى تسمى عربية بالاسم فقط. هم من يتسابقون إلى الاستثمار فى تل أبيب يهلون على مطار بن جوريون بشنط مليئة بالمشاريع العمرانية، اسألوا صفحات الصحف الإسرائيلية التى فى الكثير من الأحيان هى أكثر صدقا من نفاق إعلامنا، مروا سريعا على صفحاتهم الاقتصادية طالعوا الأسماء مرة وأخرى لأشخاص وشركات، جاءت من هناك من مدن الملح مرة أخرى وغيرها كثيرون من شريحة عربية تسمى رجال الأعمال الأذكياء، الذين يعرفون أن الربح لا يعرف وطن ولا قومية أو وطنية له.

•••

يسيرون هم فى صفقاتهم العلنية منها وتلك التى كما لياليهم، تختبئ فى الغرف المظلمة، يختزلون عناوين صحفهم ونشرات أخبارهم على الأخبار الملتوية تحت عنق سياساتهم، يخبئون صور الشهداء الأطفال فى الصفحات الأخيرة أو حتى تسقط سهوا من نشراتهم، تختفى فلسطين فجأة وتسقط من الأولويات المستترة خجلا. فقد سقط القناع وراء القناع ولم يعد إلا أن عادت فلسطين لتصبح مجرد تفصيل هنا وهناك لهم وللمسلمين الزاحفين على مدن العرب يسبون النساء ويقطعون الأعناق، فيما تصرخ القدس، القدس المسلمة أيضا جدا تصرخ وتنادى فلا من مجيب سوى ذاك الجيل القادم من الشباب، الذى رضع حب فلسطين ووقف يرفض أن يخضع لكل هذا الكم من العنف الممنهج على تنوعه، لتلك الصبية يغنى مرسيل خليفة ويردد فى رائعته «عندما يذهب الشهداء إلى النوم اصحوا واحرسهم وأقول لهم تصبحون على وطن».

•••

هل كلنا شهداء؟

كاتبة من البحرين

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2024 ShoroukNews. All rights reserved