من أجل الهوية.. رسالة لوزير التربية والتعليم
صفاء عصام الدين
آخر تحديث:
الإثنين 12 أكتوبر 2026 - 6:33 م
بتوقيت القاهرة
يتجمع الطلاب منذ مراحل مبكرة فى قاعات الدروس الخصوصية، يرددون خلف المدرس ألحانًا ركيكة لحفظ الدرس والمعلومات العديدة المطلوب منهم استرجاعها وقت الامتحان، فتعافر الطبقة المتوسطة من أجل الحفاظ على الحد الأدنى من التعليم الجيد وتتكبد مشقة مالية ونفسية وتتحمل ضغوطًا اجتماعية، لكنها لا تؤدى بالضرورة للتعلم، خاصة عندما يقع حظ الطلاب فى معلمين يخلطون المادة العلمية بأفكار رجعية ومعلومات مغلوطة مشوشة.
فى إحدى قاعات الدروس الخصوصية، يتحدث المعلم والطلاب منصتون يستمعون للدرس، ومعه بعض الإضافات والتوابل التى قرر إغراق الطلاب فيها، تعكس جهلًا كبيرًا وتزييفًا واضحًا للتاريخ. يزعم المعلم أن ميدان التحرير سمى بهذا الاسم عندما خلعت النساء الحجاب و«البيشة»، معتبرًا الميدان رمزًا للانحلال الذى قادته نسويات ذلك العصر، وفى مقدمتهن هدى شعراوى، متأسفًا ومتحسرًا على زمن كانت لا تخرج فيه المرأة إلا للمدافن ومنزل الزوج.
لكن التاريخ والحقيقة يؤكدان أن هذا الميدان التاريخى تغير اسمه من «ميدان الإسماعيلية» إلى «ميدان التحرير» بعد سقوط الملكية وقيام الجمهورية عام 1952، تيمنًا بالتحرر الوطنى وجلاء الاستعمار البريطانى، وليس الانحلال وخلع «بيشة» النساء كما يروج المعلم وبعض الصفحات السلفية المنتشرة على الإنترنت. وبدأت لبنات التغيير الأولى فى الميدان مع انطلاق ثورة 1919 التى تلاحم فيها الطلاب والشباب والنساء والعمال ومعظم مكونات الشعب المصرى ضد الاستعمار.
وحين يُذكر اسم رائدة النهضة النسائية هدى شعراوى فى هذا السياق، فالواجب التذكير بنضالها الوطنى والاجتماعى المشرف؛ فقد كانت فى صدارة المشهد الوطنى وهى تقود المظاهرات النسائية الحاشدة ضد الاحتلال البريطانى عام 1919، وأسست الاتحاد النسائى المصرى للدفاع عن حقوق المرأة فى التعليم والمشاركة السياسية. ولم تكن دعوتها لرفع النقاب مجرد خلع لقطعة قماش كما يصورها، بل كانت رمزًا لكسر قيود التهميش والجهل، ودعوة لصون كرامة النساء وتمكينهن من المساهمة الفاعلة فى بناء الوطن جنبًا إلى جنب مع الرجل.
مع كمية المعلومات المغلوطة والأفكار المسمومة التى يقدمها بعض المعلمين للطلاب، كيف نتحدث عن المستقبل، ونحن نتجه لترسيخ الهوية والدفاع عنها بتحولها لمجرد مناهج دراسية وسباق درجات من أجل الامتحانات فقط؟
تبدأ أولى خطوات الحفاظ على الهوية بتحويلها لتفاصيل وذكريات حية فى وجدان الأطفال، لا أن تظل مادة ثقيلة جافة تضاف لسلسلة المواد الدراسية المتراكمة التى تحاصرهم بين تقييمات صفية وأداءات منزلية وامتحانات شهرية. إن هويتنا التى يرغب وزير التربية والتعليم فى الحفاظ عليها أصبحت فى خطر حقيقى نتيجة تغول أفكار سلفية لا تمت للمجتمع المصرى بصلة، بل هى أقرب لعوالم الصحراء ومجتمعات أفغانستان فى عهد طالبان.
لا أختلف مع الوزير فى أهمية الحفاظ على الهوية واللغة، ولكن قد نختلف على الأسلوب والطريق؛ فالوزير يراها محصورة فى المناهج والمقررات والدرجات، ولكنى أراها تتجسد فى الثقافة والأفكار والذكريات والوجدان، فى الأفلام والدراما، وفى الرحلات المدرسية التى تكسر عزلة طلاب «إيجيبت» وتفتح قناة تواصل بينهم وبين القاهرة التاريخية.
فى منهج الصف الثالث الإعدادى مثلًا، يحدثنا واضعو المناهج عن حضارات الأمريكتين قبل اكتشاف أمريكا الشمالية والجنوبية، ثم ينتقلون انتقالًا مفاجئًا لعصر محمد على وتوليه حكم مصر، فيغرق الطلاب فى التفاصيل والتواريخ وتصبح المهمة شاقة ومملة. بينما ما أسهل التعلم وأعمقه لو كان فى قلب الموقع التاريخى الذى حكم منه محمد على مصر وانطلقت منه صناعة الأسلحة ومؤسسات الدولة الحديثة!
نركز على المناهج والدرجات ونهمل الثقافة والأنشطة التى تظل محفورة فى وجدان البشر، ولا تنتهى بانتهاء الامتحانات؟ فما رأى الوزير فى تطبيق التعلم النشط عبر الرحلات المدرسية لقلب المواقع التاريخية؟ لماذا لا يكون ميدان التحرير وقصر عابدين والمقر القديم للبرلمان فى وسط القاهرة محطات رئيسية لزيارات تاريخية لطلاب المدارس؟ ولماذا لا تكون حقبة المماليك رحلة حية واستكشافية فى شوارع القاهرة التاريخية بجوار تلك السطور الجافة فى كتاب مدرسى؟
هذه دعوة لوزير التربية والتعليم، محمد عبداللطيف، فوطن مثل مصر كل شبر فيه ينبض بجزء من تاريخنا وثقافتنا لا يجب أن تقتصر فيه الهوية على ما نقرؤه فى الكتاب وما نحصله من درجات، فلنجعل الرحلات المدرسية التاريخية جزءًا من درجات التقييم، وننشئ شراكات بين وزارة التربية والتعليم ووزارتى الثقافة والسياحة والآثار لفتح المتاحف والمواقع التاريخية مجانًا للرحلات المدرسية، وتكون هذه الزيارات جزءًا مكملًا للتعليم الصفى التقليدى، ونفتح المكتبات فى المحافظات والمراكز للزيارات المدرسية وإجراء جلسات قراءة متسقة مع مناهجنا لنعرف من هى هدى شعراوى، وقصة ميدان التحرير وآلاف القصص التى تروى عقول أطفالنا فتثمر لنا فى المستقبل أفكارًا وإبداعًا، بدلًا من القصص الظلامية التى يصادفونها وقد تؤدى لمزيد من الجهل وانحسار قيمة العلم والإبداع والابتكار.
كاتبة وصحفية متخصصة فى الشأن السياسى والبرلمانى