إذا كان لدى غوبلز سبب للتصفيق... فهو عندما يرى ما حلّ بالدولة الإسرائيلية

من الصحافة الإسرائيلية
من الصحافة الإسرائيلية

آخر تحديث: الإثنين 12 أكتوبر 2026 - 6:30 م بتوقيت القاهرة

إن الخطوة التى تستحق التقدير، والمتمثلة فى اختيار ناڤى بيلاى لنيل جائزة نوبل للسلام، لم تُعْجِبْ وزير الخارجية جدعون ساعر. وعلى غرار ما فعل وزير دعاية آخر، نشر الوزير بيانًا، عبر المكتب الإعلامى لوزارته، جاء فيه: «من المؤكد أن جوزيف غوبلز يصفّق من الجحيم».

 لقد اختارت اللجنة شخصية استثنائية كرّست حياتها للنضال من أجل حماية حقوق الإنسان، فإذا بغوبلز يصفّق من الجحيم، بحسب ساعر؛ والمرأة التى ناضلت من أجل تطبيق القانون الدولى، الذى نشأ من رحم الدمار والإبادة اللذين زرعهما غوبلز ورفاقه، تتلقى ردًا مقززًا من وزير خارجية دولة الناجين من غوبلز. وعندما يتعلق الأمر بالتشهير الدعائى، فإن ثمة قواسم مشتركة أكثر مما يُظَن بين غوبلز وساعر، على الرغم من كل الاختلافات بينهما.
كيف تصرّف غوبلز ورفاقه فى زمانهم؟ فى سنة 1936م، هاجم أدولف هتلر وغوبلز فائزًا آخر بجائزة نوبل للسلام، هو الصحفى الألمانى المسالم كارل فون أوسيتسكى، الذى فاز بالجائزة فى سنة 1935م حين كان معتقلاً.
ويروى المؤرخ آدم راز أن هتلر أعلن أنه لن يُسمح للألمان بالحصول على الجائزة بعد ذلك، وأن وزير دعايته أصدر تعليمات بمنح جائزة بديلة. وزعم هتلر وغوبلز أن اليهود يقفون وراء قرار منح الجائزة لفون أوسيتسكى. وبعد تسعين عامًا، تتهم إسرائيل المُعادين للسامية بالوقوف وراء اختيار بيلاى.
لا يا ساعر، غوبلز لا يصفّق، بل يتقلب فى قبره عندما يدرك أن امرأة مثل بيلاى، وهى قاضية تاميلية هندية صلبة من جنوب إفريقيا، حاكمت مجرمين ارتكبوا جرائم ضد الإنسانية بعد عهد غوبلز، وناضلت ضد العنصرية فى بلادها، وفى العالم، فازت بالجائزة.
إذا كان لدى غوبلز سبب للتصفيق، فهو عندما يرى ما حلّ بالدولة التى قامت من رماد «المحرقة».
فعندما يرى غوبلز كيف يلاحظ العالم أوجُه شبه بين ما جرى فى ألمانيا فى ثلاثينيات القرن الماضى وما يجرى فى إسرائيل فى عشرينيات هذا القرن، فإنه ينتشى بالمفارقة التاريخية المخزية. ومن الجحيم، يصفّق غوبلز لمرتكبى الإبادة الجماعية فى العالم، ولا سيما فى غزة، والذين ارتكبوا هذه الجرائم هم من نسل ضحاياه.
كانت بيلاى أول مَن وصف ما يجرى بأنه إبادة جماعية فى الأمم المتحدة. ودانت بشدة «جرائم الحرب» التى ارتكبتها «حماس» فى السابع من أكتوبر. بيلاى ليست معادية للسامية، وليست معادية لإسرائيل أيضًا؛ إنها امرأة صاحبة ضمير، يحيّيها العالم الآن، وهى تستحق ذلك.
إن ردّ ساعر يدلّ بالدرجة الأولى عليه هو، وعلى انحطاطه وتدنّى مستوى حججه. لقد سمع العالم ردّه، وتعزّز لديه الشعور بأن إسرائيل تنأى بنفسها عن أسرة الأمم.
وساعر أيضاً ينكر «المحرقة»؛ فإسرائيل، التى تصاب بالصدمة، وعن حق، من أىّ مقارنة بين أفعالها و«المحرقة»، تجرؤ على تصوير امرأة تناضل من أجل العدالة، على أنها محبوبة النازيين، لكن المشكلة أوسع وأعمق كثيرًا، حتى بعد ثلاثة أعوام دامية من القتل والدمار فى غزة، وفى ظل توافُق عالمى واسع على أن إسرائيل تجاوزت كل الحدود فى حملة انتقامها، لا تزال إسرائيل لا تعرف سوى طريقة واحدة للرد على منتقديها: عدوانية منفلتة من كل قيد، واتهام العالم بأسره بمعاداة السامية، وتشويه سمعة الذين يقرعون ناقوس الخطر، من دون أن تلقى نظرة واحدة صادقة ونزيهة على نفسها.
كيف يمكن النظر إلى غزة، وإلى ما فعلته إسرائيل بها، من دون الشعور بإحساس ثقيل بالذنب؟ كيف يمكن عدم تحمُّل، ولو قدر ضئيل من المسؤولية، أو عدم استيعاب، ولو جزء يسير من النقد؟
فى نظر إسرائيل، فإن الإبادة الجماعية التى ارتكبتها هى مسئولية العالم ومعاداة السامية، وليست، فى أى حال من الأحوال، مسئوليتها هى. وكطفل صغير لا يعرف كيف يتقبّل النقد، ويلقى اللوم دائمًا على الجميع، باستثناء نفسه، تتهم إسرائيل العالم بأسره، ولا تتهم نفسها مطلقًا.
هذا ليس مجرد تصرُّف طفولى، بل هو تصرُّف مدمّر.
ما دامت إسرائيل غير مستعدة للنظر فى أفعالها والاعتراف، ولو بجزء من جرائمها، فلن تتغيّر قط، وما دامت تواصل إدانة كل مَن ينتقدها فى العالم بفظاظة، على غرار فظاظة ساعر، فستظل منبوذة.
كم كان يمكن أن يكون الردّ الإسرائيلى مختلفًا، وجميلاً ونبيلاً! كان فى وسع إسرائيل أن تهنّئ بيلاى، وأن تنحنى احترامًا وتقديرًا لجهودها، حتى لو كانت ترى أنها بالغت فى انتقاد إسرائيل، وأنها عاملتها بقسوة أكثر مما تستحق.

 


جدعون ليفى
هاآرتس
مؤسسة الدراسات الفلسطينية

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved