الخَطّ.. عبقرية اليد البشرية الكاتبة

صحافة عربية
صحافة عربية

آخر تحديث: الإثنين 12 أكتوبر 2026 - 6:31 م بتوقيت القاهرة

نشرت جريدة الخليج الإماراتية مقالا للكاتب يوسف أبو لوز، يوضح فيه ارتباط خط يد الإنسان وشكل كتابته بخصائصه النفسية وهويته الإبداعية، مشيرا إلى دور الخط كأداة تشخيصية وعلاجية فى علم النفس، إلى جانب قيمة القلم كرمز للتعبير النافع والمسالم.. نعرض من المقال ما يلى:

 لا يُختزل فن الخط فى لوحات جمالية تشكيلية بصرية فقط، بل إن خط يد الإنسان يكشف عن جوانب نفسية عديدة فى شخصيته، والخط أيضا يدل على صاحبه ويحدّد ميوله وطبائعه ومزاجه، لا بل اعتمد علم النفس على قراءة خطوط ورسائل المرضى الذين يعانون اضطرابات عاطفية أو فكرية، وفعلا، يتوصل الأطباء فى هذا الحقل السيكولوجى إلى وضع حلول نفسية تساعد مرضاهم من خلال خط اليد، وقراءته العلمية والمختبرية.


فى العادة يذهب العلماء فى تلك الحالات النفسية إلى قراءة رسائل الأشخاص الذين يخضعون إلى مثل هذا العلاج، ويذهبون أيضاً إلى قراءة المذكرات أو اليوميات والاعترافات التى تتصل بالشخص الذى يخضع للعلاج، أما الاعترافات، أو الكتابة الاعترافية، إن جازت العبارة، فهى كنز علاجى بالنسبة للطبيب المُعالج، فالاعتراف يعنى حقيقة المريض، ويعنى البوح بما يتراكم فى قيعانه النفسية، الأمر الذى يعنى تحليل شخصية المعنى بالعلاج من داخل نفسيته، ومرة ثانية عن طريق خط اليد البشرية.


هذا فى ما يتصل بالخط من الناحية العلاجية النفسية، أما من الناحية الثقافية الجمالية، فلكل خط بشرى شخصية وهوية وكينونة إبداعية، وهناك من يكتب أو يرسم خط كلماته بحروف كبيرة، وهناك من يخطّ بحروف صغيرة، هناك حروف حادّة، نافرة، صريحة، وهناك حروف هادئة، ساكنة، منسحبة إلى داخلها فى الكلمة الواحدة.


هناك خطوط تشبه درب النمل، وهناك خطوط مثل صفّ حجارة صغيرة على رصيف، وهناك حرف علنى عنيد وفيه طاقة من القسوة، فى حين هناك خط مرن، ليّن، بل قد يمكننا وصف بعض خطوط اليد البشرية بـ«الغنائية»، وبعض الخطوط قد توصف بـ«العبثية» أو «الفوضوية»، وثمة خط بشرى منظم، وَمُهَنْدَس، وَمُرَتَّبْ، فى حين هناك خط عشوائى، سريع، ليس له وزن وليس له قافية، إن أمكن القول، قياسا على وزن الشعر العربى.


كل هذه التداعيات التشكيلية والبصرية تولد من يد الإنسان، ولأن ليس كل يد تشبه أخرى، فلذا، لا تتشابه الخطوط البشرية إلاّ فى القليل من الحالات الكتابية، فهناك يد صغيرة، خفيفة، طرية، وهناك يد أخرى كبيرة، قاسية، يد استحواذية أو حتى «سلطوية»، وفى المقابل هناك يد سلمية أو مسالمة، يد بشرية قنوعة تكتفى بالقليل من الحبر والورق والأقلام، وثمة يد تمدّدية، تريد الكثير دائماً، وتقبض بقوّة على القلم، كأنما هو قوّة أو ثروة.


غير أن القلم هو بالفعل ثروة، ليس بالنسبة للخطّاط المهنى الاحترافى فقط، بل القلم ثروة أيضا للكاتب الأديب، الروائى، أو الشاعر، أو المسرحى أو الصحفى بشرط أن يكون الواحد من هؤلاء «القلميين» يمتلك الضمير النظيف الحىّ، وله يد لا تكتب بسوء، والأهم من ذلك، يد لا تحمل خنجرا أو مسدسا أو شوكة..
يَدٌ تصافح ولا تناطح، يَدٌ تسالم ولا تلاكم.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved