مظلة نووية باكستانية

بشير عبد الفتاح
بشير عبد الفتاح

آخر تحديث: الإثنين 12 أكتوبر 2026 - 6:36 م بتوقيت القاهرة

يشير مصطلح «المظلة النووية» إلى التزام دولة تمتلك السلاح النووى ومنظومات استخدامه بالدفاع عن دولة حليفة، لكنها غير نووية. ويعرف عالمنا مظلتين نوويتين: أولاهما أمريكية، وتشمل 33 دولة، هى: اليابان، وكوريا الجنوبية، وأستراليا، وثلاثون دولة غير نووية أعضاء بحلف شمال الأطلسى. وتعتمد على حوالى 100 رأس نووية مخزنة تحت الأرض منذ خمسينيات القرن الماضى، فى ست قواعد بخمس دول أطلسية أوروبية. لكنها تبقى فى حراسة القوات الجوية الأمريكية، بينما تظل أكواد تفعيلها حصرًا لدى واشنطن. وثانيتهما روسية، تضم دول الاتحاد الروسى وبيلاروسيا، التى نشرت موسكو منذ يونيو 2023 رءوسًا نووية على أراضيها، حيث أكد وزير الدفاع الروسى، فى نوفمبر 2024، أن مظلة بلاده النووية تشمل أعضاء منظمة معاهدة الأمن الجماعى، المنخرطين فى تحالف لجمهوريات سوفيتية سابقة.

 عبثًا، تحاول فرنسا تدشين مظلة نووية ثالثة. فالتماسًا منها للاستقلال الاستراتيجى الأوروبى، الذى يستوجب التحرر من الابتزاز الاستراتيجى الأمريكى، أطلق الرئيس ماكرون، إبان خطابه التاريخى حول الدفاع والردع النووى عام 2022، مقاربته بخصوص «المظلة النووية الفرنسية» لأوروبا.

غير أن ما أسماه «مبادرة الدفاع المتقدم» لم تتضمن التزامًا حيال أية دولة أوروبية باستخدام فرنسا سلاحها النووى للدفاع عنها، إذا ما تعرضت لهجوم أو عدوان. فقد استبعد ماكرون تقديم ضمان من هذا النوع، مستندًا إلى العقيدة النووية الفرنسية، التى تؤكد أن أى رئيس فرنسى سيبقى وحده صاحب قرار استخدام الترسانة النووية المعنية بالدفاع عن فرنسا حصرًا. ولعل هذا ما قلص حماس دول أوروبية عديدة للفكرة، ودفعها للتشبث بالمظلة النووية الأمريكية أو الأطلسية، خاصة بعدما جددت واشنطن التزامها استبقاءها وتعزيزها لحماية القارة العجوز.


حامى الوطيس، هو الجدل الاستراتيجى المحتدم بشأن إمكانية تدشين مظلة نووية باكستانية لحلفاء إسلام أباد فى منطقة الشرق الأوسط، خصوصًا بعدما أبرمت ثلاث اتفاقيات للدفاع المشترك مع شركاء إقليميين. أولاها، اتفاقية الدفاع المتبادل الاستراتيجية مع السعودية، فى سبتمبر 2025.

وثانيتها، اتفاقية مكة للدفاع المشترك لعام 2026، مع السعودية وتركيا. أما ثالثتها، فأُبرمت مع الكويت، فى أغسطس الماضى، تحت وطأة الهجمات الإيرانية المتكررة، التى لم تظهر واشنطن الجدية التى كانت متوقعة فى التعاطى معها. وبموجب الاتفاقيات الثلاث، يُعتبر أى هجوم مسلح ضد أى من أطرافها عدوانًا على الكل، يستوجب ردًا جماعيًا؛ أسوة بالمادة الخامسة المتعلقة بالدفاع الجماعى من معاهدة حلف شمال الأطلسى لعام 1949. الأمر الذى يطرح تساؤلات مثيرة بشأن احتواء تلك الاتفاقيات على بند يتيح لشركاء إسلام أباد الجدد الاستفادة من قوة الردع النووية الباكستانية، التى تناهز 170 رأسًا نوويًا. فبينما ألمحت دوائر سعودية وباكستانية إلى إمكانية ذلك، يرى مراقبون باكستانيون أن عقيدة بلادهم النووية تُركّز حصرًا على الهند، باعتبارها العدو التقليدى الذى سبقها إلى حيازة السلاح النووي، وألا مؤشرات جادة توحى بأن باكستان قد تستطيع أو تجنح لتوفير مظلة نووية تشمل السعودية وتركيا أو الكويت. أما الخبير الفرنسى برونو تيرتريه، فيرجح استحالة معرفة التفاصيل الدقيقة بهذا الصدد، كون هكذا أمور تبقى ضمن استراتيجيات الردع التى غالبًا ما ترزح فى أغلال الغموض الاستراتيجى.


تتعرض السعودية، منذ مدة، لضربات موجعة من قبل الحوثيين، طالت بنى تحتية مدنية حيوية، ومطارات، وقواعد عسكرية، ومنشآت للطاقة. ما أربك صادراتها النفطية، وأسفر عن سقوط قتلى وجرحى مدنيين. فيما أعلنت المملكة استهداف محطة طاقة بالمسجد النبوى، واعتراض مسيّرة قرب مكة المكرمة. ورغم إدانة مجلس الأمن الدولى لها، تشى تلك الاختبارات العملية الميدانية القاسية بأن دخول اتفاقيات الدفاع المشترك حيز التطبيق لا يزال فى طور التحضير الاستراتيجى الحذر.

فبرغم حرص أطرافها على الترويج لتحولها إلى «تحالف»، لم يكتمل، حتى الآن، بناء هياكله الأمنية، بما يحقق التكامل الفعلى بين العقائد والقدرات العسكرية لأعضائه. كما لم تقدم باكستان على نشر أسلحة نووية جاهزة للاستخدام الفعلى داخل الدول المتحالفة معها، أسوة بما هو قائم فى المظلتين النوويتين الأمريكية والروسية.

وبينما لم تتوافر دلائل مؤكدة على إلحاح الرياض أو الكويت، رسميًا، فى تفعيل الاتفاقيات المبرمة، لاحت إشارات على طرقهما أبواب أطراف دولية أخرى.


يدرك حلفاء إسلام أباد ضخامة التحديات التى تكتنف توفير مظلة نووية باكستانية قابلة للتفعيل. حيث تحرص كل من إسلام أباد وأنقرة على تأكيد دعمهما للمملكة، عبر مؤازرتها سياسيًا واستخباراتيًا ولوجستيًا؛ لكن من دون التورط المباشر فى أية حروب قد يتسع نطاقها. ولعل هذا ما دفع السعوديين إلى التماس المساعدة من أطراف دولية وإقليمية أخرى. حيث أعلنت بريطانيا، مؤخرًا، موافقتها على طلب سعودى بتقديم خدمات التزود بالوقود جوًا، لأغراض دفاعية، ولفترة محدودة، فى خطوة وُصفت بأنها ستساعد على استقرار المنطقة الأوسع. فيما أبدت فرنسا استعدادها للمساهمة فى «تأمين» البنية التحتية للطاقة السعودية فى ينبع، وعلى امتداد خط أنابيب شرق-غرب، التى تتعرض لهجمات الحوثيين، عبر إرسال جنود وأنظمة رادار ودفاع جوي، ضمن «نهج دفاعى بحت».

وبررت تحركها بحماية أمن الطاقة العالمى، مع تجنب الانجرار إلى مواجهة مباشرة مع الحوثيين. وبموازاة تقديمها خدمات تبادل المعلومات الاستخباراتية، والمساعدة فى تحديد الأهداف، والتنسيق اللوجستى، والاستشارات العسكرية بمراكز التخطيط والعمليات، أرسلت واشنطن بطاريتين إضافيتين من صواريخ «باتريوت»، لحماية منشآت النفط والغاز فى السعودية وقطر. كما جددت الالتزام الأمريكى بحماية منشآت الطاقة لديهما، إذا ما قرر ترامب مهاجمة إيران مجددًا.


رغم تأكيدها التزامها الصارم بالاتفاقات المبرمة، ظل الغموض الاستراتيجى يكتنف طبيعة المساعدة المرتقبة من لدن باكستان لحلفائها، فى حالة تعرضهم للعدوان.

ذلك أن الاتفاقات التى أبرمتها مع شركائها لا تشترط بالضرورة أن يتضمن التعامل مع أى هجوم عليهم إرسال قوات إلى ساحة حرب مفتوحة. كما لا تحدد عتبات التدخل، وقواعد الاشتباك، أو الآليات التى تنتقل بموجبها الدول المتحالفة من التشاور إلى المساعدة العسكرية. ولما كانت باكستان ترى اتفاقيات الدفاع المشترك مظلة ردع، أكثر من كونها تحالف حرب، ألمحت إلى انحسار مساعداتها للمملكة فى تعزيز دفاعاتها الجوية، وتبادل المعلومات الاستخبارية، وتوفير المعدات والطائرات والقدرات التقنية الكفيلة بحماية المجال الجوى والمنشآت الحيوية.


انطلاقًا من مقاربة «التعاون الاستراتيجى وتبادل الخبرات»، تضطلع باكستان، منذ أواسط القرن الماضى، بدور محورى فى بناء وتطوير المنظومة الدفاعية السعودية.

ومع اشتداد وطأة الحرب الأمريكية-الإيرانية، أرسلت إسلام أباد إلى الرياض تشكيلات عسكرية، ومقاتلات «جى إف-17»، ومسيّرات.

كما تنامت وتيرة التعاون الاستخباراتى والتدريبات العسكرية المشتركة. وفى الخامس من أكتوبر الجاري، استضافت الرياض اجتماعًا طارئًا للجنة الاستراتيجية السياسية والدفاعية لاتفاق مكة. تقرر خلاله تعيين الفريق الباكستانى المتقاعد، نعمان محمود، أول أمين عام لـ«حلف مكة الدفاعى»، توطئة لاستكمال هيكله المؤسسى، والانتقال من مستوى التنسيق السياسى إلى مرحلة التنفيذ العملى لالتزامات الدفاع المشترك؛ عبر اتخاذ الإجراءات اللازمة لتوفير القوات والقدرات العسكرية المتفق عليها، مع بحث نشرها بالسعودية، وفق الترتيبات المعتمدة والتشريعات الوطنية للدول الأطراف، بما يعزز الجهوزية والتكامل العسكرى والقدرة الجماعية على التصدى للتهديدات. كما يؤكد تضامن واصطفاف دوله لمواجهة الاعتداءات على المملكة والمشاعر المقدسة، وتفعيل الردع الجماعى ضد كل من يقف وراءها، ضمن إطار الحلف.


تفصح تجارب وخبرات تاريخية عن مدى صعوبة التفعيل العملياتى لمبدأ الدفاع المشترك بين الدول المتحالفة. فمنذ تأسيسه عام 1949، لم يتجاسر حلف الناتو على تفعيل البند الخامس من ميثاقه سوى مرة وحيدة، وبشق الأنفس. وكانت لمصلحة الولايات المتحدة؛ إثر تعرضها لهجمات إرهابية عام 2001. بيد أنه لم يفزع، اليوم، لتفعيل خطط الطوارئ المعنية بمؤازرة أعضاء جناحه الشرقى الأوروبى، إذ يتعرضون، منذ العام 2022، لحروب روسية هجينة تشمل هجمات سيبرانية؛ بالتزامن مع انتهاك طائرات مقاتلة، ومسيّرات، ومروحيات روسية لأجوائهم.


توخيًا منهم لضبط إيقاع التطلعات الاستراتيجية حيال «حلف مكة»، جدد الباكستانيون والأتراك التأكيد على التوجه الدفاعى للحلف. حيث لا ينشد أية طموحات إقليمية أو تطلعات هجومية، بينما يبتغى تحقيق الردع الجماعى. ليس عبر الدعم العسكرى فحسب؛ ولكن من خلال تعزيز شروط الأمن التى تسمح بالانتقال من إدارة التهديد عسكريًا إلى اعتماد الدبلوماسية لمعالجة جذوره سياسيًا. وبعدما استبعد انخراط بلاده المباشر فى أية مواجهات عسكرية، بموجب مبدأ الدفاع المشترك، أوصى المدير العام للعلاقات العامة بالجيش الباكستانى بتجنب الخوض فى سفسطة استراتيجية غير واقعية بشأن إمكانية جنوح بلاده لتفعيل الخيار النووى.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved