كوميديا وتراجيديا الشرطة
عمرو خفاجى
آخر تحديث:
الأربعاء 13 مارس 2013 - 8:00 ص
بتوقيت القاهرة
من الواضح أن قصة منح الضبطية القضائية للمواطنين، سواء وفقا للتصريح الأول للنيابة، أو نفيه وتصحيحه، قصة جديرة بالتوقف عندها، على الأقل من باب محاولة فهم كيف يفكر المصريون وسط هذا الزحام من الأحداث والصراعات، خاصة أن القصة أصبحت مهيمنة تماما على واجهة الحوارات والنقاشات فى جميع وسائل الإعلام، وعلى جميع الأصعدة. لكن أكثر ما يلفت الانتباه أولا، أن الغالبية تجاهلت تقريبا السبب وراء خروج هذه التصريحات وهو ما أطلقوا عليه إضراب الشرطة، وتقريبا لم يخضع لأى مناقشة جادة سواء من أركان الدولة أو حتى من القوى السياسية الفاعلة على الساحة، الكل ركض خلف فكرة حق المواطن فى إلقاء القبض على زميله المواطن، دون أن يحاولوا حتى الاستماع لشكوى رجال الداخلية، أو التفاوض معهم حول مطالبهم، فقط الانشغال بالبديل الذى طرحه النائب العام، ويبدو أن كثيرىن كانوا يتحينون هذه اللحظة.
وأول ما يلفت الانتباه فى هذه القصة، أن هذا الإضراب تحديدا، لم يحاول أحد تحديد حجمه أو نوعه أو حتى مداه الزمنى، وأيضا لم يفكر أحد من أركان مؤسسة الرئاسة فى التفاوض مع المضربين، رغم أهمية الجهاز وحيويته، علما بأن ذات المؤسسة، مؤسسة الرئاسة، أرسلت من قبل مستشار الرئيس القانونى للتفاوض مع عمال حمل الحقائب فى مطار القاهرة، (مع كامل الاحترام لهم لكننا نتحدث عن حيوية المهمة) وهو الأمر الذى يدفع البعض إلى اللجوء لفكرة المؤامرة، خاصة أن تصريحات النائب العام جاءت سريعة، وتقريبا دون أى مطالبات بها من أى قوى، بل إن الرأى العام لم يطرح الفكرة للنقاش، وبالتالى اتخاذ مثل هذا القرار.
أما ما يلفت الأنظار بالفعل، ويحمل علامة استفهام كبيرة، أن مصر شهدت خلال الفترة الأخيرة ما يقرب من سبعمائة احتجاج، لجميع الفئات والطوائف، من الأطباء والمدرسين، إلى عمال وسائل النقل والمضيفين الجويين، ومن عمال النظافة إلى أصحاب المخابز وشركات الصرافة، وفى كل هذه الإضرابات لم نسمع من أى فصيل أنه على استعداد للقيام بمهام ووظائف الفئة المضربة، فعلى سبيل المثال كان إضراب الأطباء واسعا وكبيرا، وهى مهنة تتعلق بحياة الإنسان لا تحتاج إلى تأجيل، فلم نسمع أن هناك متطوعين أعلنوا عن تطوعهم لشغل فراغ الذين أضربوا، أو أن جماعة أو فئة سياسية، قررت الدفع بأعضائها لعدم توقف العملية التعليمية، أما حينما وصلت الأمور إلى رجال الشرطة، هب الكل من هذه الجماعات والفرق ليعلنوا أنهم على أتم استعداد لسد الفراغ الأمنى، بل إن بعضهم مارس مهام شرطية بالفعل وألقى القبض على بعض المواطنين لإظهار كفاءة نادرة وخاصة فى القيام بمثل هذا النوع من المهام، وتتابعت الأخبار والتصريحات من قوى وأحزاب أن الكل جاهز ليكون رجل الشرطة الصارم القادر على ضبط الأمن وفرض الاستقرار، بل إن البعض فتح باب التطوع والتسجيل لتشكيل فرق الشرطة الخاصة، أما الذين يحبون أكلها والعة (اقتصاديا وسياسيا) كما يقول المثل الشعبى فاقترحوا تأسيس شركات خاصة لحفظ الأمن، وطلبوا من مجلس الشورى إصدار تشريع خاص بذلك، فى الوقت الذى لم نسمع أيا منهم طالب بتشريع خاص لإنشاء مخابز، أو تأسيس شركات خاصة لنقل الركاب بأسعار مناسبة لغير القادرين.
والطريف، أن كوميديا الضبطية القضائية انفجرت على صفحات مواقع التواصل الاجتماعى، والكل يعلن عن رغبته فى ممارسة دور الشرطة، وحتى لو كانت الأمور على سبيل الهزل، فإنها تكشف عن رغبات دفينة فى العقل الباطن تجاه ممارسات قمعية، احدهم على الفيس بوك، حدد اسماء الذين سيلقى القبض عليهم وفى مقدمتهم جاره «الرزل»، وآخرون قرروا القبض على الرئيس نفسه وأعضاء مكتب الإرشاد، وربما كان أظرف ضابط افتراضى ذلك الرجل الذى قرر القبض على حماته وطلب عودة التعذيب ولو ليوم واحد حتى يقتص مما فعلته به.
أما إذا تركنا الكوميديا وذهبنا للتراجيديا، أليس غريبا ألا يقرر احد أن يكون منتجا للخبز، أو طبيبا يعالج أو مدرسا يعلم، فقط الجميع يرغب أن يصبح شرطيا ومعه ضبطية قضائية؟ أليست هذه قضية جديرة بالمناقشة، وجديرة بأن نسرع فى حل «معضلة البوليس» دون أن ننسى أن أبناء هذا الجهاز الوطنى هم ايضا مواطنون مثلنا، ومن بيننا من يرغب أن يصبح مثلهم.