«عطس» الخليج.. وارتباك الحكومة!

خالد سيد أحمد
خالد سيد أحمد

آخر تحديث: الجمعة 13 مارس 2026 - 5:35 م بتوقيت القاهرة

الرئيس عبدالفتاح السيسى وجّه صباح الإثنين الماضى خلال حضوره الندوة التثقيفية رسالة طمأنة للمواطنين القلقين جراء الأوضاع الإقليمية المشتعلة حاليا، حيث أكد أن الاقتصاد المصرى فى «منطقة الأمان»، لكن فى منتصف الليل قررت الحكومة فجأة زيادة أسعار الوقود بشكل غير متوقع وصادم لقطاعات كبيرة من الشعب لم تتعاف بعد من الزيادات السابقة.
ما الذى حدث منذ الصباح حيث التأكيد الرئاسى بأن الاقتصاد فى منطقة الأمان، وحتى منتصف الليل ومفاجأة رفع أسعار الوقود؟ لا أحد يعرف على وجه الدقة أسباب هذا التحرك الحكومى المتعجل برفع أسعار الوقود رغم أن الحرب فى الخليج لم يكن قد مر على اندلاعها عشرة أيام فقط، بل وحدوث تراجع لافت وكبير فى الأسعار عالميا قبل القرار الحكومى بنحو ساعتين، حيث ذكرت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية مساء الإثنين الماضى أن أسعار النفط هوت إلى حوالى 88 دولارا للبرميل عقب تصريحات الرئيس دونالد ترامب بشأن «انتهاء الحرب على إيران إلى حد كبير».
الحكومة سارعت إلى تقديم مبرراتها للقرار ومحاولة امتصاص ما فجّره من غضب شعبى وبرلمانى، حيث أكد رئيس الوزراء مصطفى مدبولى «أننا نشهد حاليا ظرفا استثنائيا يعانى من تداعياته مختلف دول العالم، وأنه سيتم مراجعة هذه الإجراءات الاستثنائية (رفع أسعار الوقود) مع انتهاء الحرب وانحسار تداعياتها»، مشيرا إلى وجود «حزمة من الإجراءات السريعة والعاجلة لترشيد الإنفاق العام فى عدد من بنود المصروفات»، مناشدا المواطن المصرى أن «يلتمس العذر للحكومة».
لا يخفى على أحد أن الهجوم الأمريكى الإسرائيلى على إيران، وامتداد شرارة الحرب إلى دول الخليج، له تداعيات هائلة على الاقتصاد العالمى بشكل عام، ومصر على وجه الخصوص، ولعل أبرزها ارتفاع أسعار الوقود بما يؤثر على الإمدادات اللازمة لتلبية احتياجات قطاعات الكهرباء والطاقة والصناعة والاستهلاك المنزلى، وتراجع عائدات قناة السويس، فضلا عن خروج
بعض الأموال الساخنة وتراجع السياحة وارتفاع سعر صرف الدولار مقابل الجنيه، فضلا عن التأثير المحتمل على تحويلات العمالة المصرية فى الخليج.
الجميع يعلم بالتأكيد تداعيات الحرب على مصر، لكن ما لا نفهمه حقا أو نجد له تفسيرا مقنعا حتى الآن، هى حالة الهلع الشديدة التى تصاب بها الحكومة المصرية كلما تفجرت أى أزمة فى العالم، أو حتى إذا «عطس» الخليج أو أوكرانيا، لا سيما أنه يفترض بعد كل هذه السنوات الطويلة والشاقة والقاسية من تنفيذ برنامج الإصلاح الاقتصادى، أن تكون لدينا مناعة حقيقية واقتصاد قوى يستطيع التعامل مع الصدمات والهزات السياسية والاقتصادية والعسكرية المفاجئة سواء على المستوى الإقليمى أو الدولى.
ليس هذا فقط، بل إن ما يثير الاستغراب أيضا هو المسارعة فى اللجوء إلى خيار رفع أسعار الوقود، والذى ينتج عنه تداعيات سلبية عديدة، أهمها حدوث موجات تضخمية عنيفة، وحريق هائل فى أسعار كل السلع الأساسية ومتطلبات الحياة اليومية للمواطنين، وهو ما يشعر به الجميع منذ تطبيق القرار رغم كل التحذيرات الحكومية باتخاذ كل الإجراءات القانونية الرادعة بما فيها الإحالة إلى النيابة العسكرية ضد أى محاولات للتلاعب أو احتكار السلع أو إخفائها، والتشديد المتواصل من جميع المسئولين على أن الدولة لن تسمح بأى شكل من أشكال بالاستغلال.. على أى حال، يمكن للمواطنين «التماس
العذر للحكومة» كما طلب مدبولى، حال شعروا بجديتها فى إيجاد حلول حاسمة وموضوعية لتعقيدات المشهد الاقتصادى المتخم بالمشكلات والمعضلات الهيكلية، والابتعاد عن اللجوء إلى الخيار الأسهل لها والمتمثل فى النظر إلى جيوبهم باعتبارها الملاذ الوحيد للخروج من الأزمات التى تواجهها، لأنها أصبحت خاوية لدى الغالبية العظمى من الشعب، والعمل بقوة على حماية الطبقات الفقيرة والمتوسطة، وكبح جماح الزيادات المتلاحقة فى أسعار السلع والخدمات.
ينتظر الجميع كذلك رسالة واضحة من الحكومة بالتقشف الحقيقى وترشيد الإنفاق أكثر من مسألة خفض الإنارة فى الشوارع، ولكن بتعديل المسار والحد من الإنفاق على المشروعات التى لا تدر عائدا على المدى القصير، وتوجيه كل الطاقات لزيادة الصادرات وتعظيم مشاركة القطاع الخاص فى الاقتصاد وعدم منافسته أو التضييق عليه، والتوقف عن الشهية المفتوحة للاقتراض من الخارج ومعالجة أزمة الديون الحالية، وقتها فقط لن نصاب بالهلع أو الارتباك حتى لو «عطس» العالم كله وليس الخليج فقط.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved