البحث عن حياة عادية

شريف عامر
شريف عامر

آخر تحديث: الإثنين 13 أبريل 2026 - 6:15 م بتوقيت القاهرة

أصعد سلالم المبنى مسرعًا لو تأخر المصعد، فلم يكن من المتخيل أو المقبول أن نتأخر عن موعد وصولنا المقدس كمذيعين على الهواء. هكذا أخطرنا الأستاذ حسن حامد فى بدايات التأسيس الأولى. يعمل فريق إعداد وإنتاج وإذاعة النشرات ثمانى ساعات، على رأس كل ساعة نشرة، وموجز كل نصف ساعة.


لاحظت بعد فترة أننى أتحرك معظم أيام الأسبوع عكس حركة الأغلبية العامة من موظفى الجهاز العظيم فى مبنى اتحاد الإذاعة والتليفزيون. أصل الثالثة ظهرًا مثلًا فأجد العشرات يتحركون نزولًا فى مواجهتى صاعدًا، وإذا كان موعد العمل منتصف الليل فسأكون أنا منهكًا أتحرك إلى خارج المبنى عكس اتجاه نهر من البشر مع يوم جديد يبدأ.


جنون العالم لا يتوقف، وعملى أن أتابع هذا الجنون وأتأكد من تفاصيله، وأجمع كل الآراء والتعليقات كى أناقش تداعيات هذا الحدث وآثاره، ولا يهم إن كان اليوم مصادفًا لعيد أو إجازة.


تمنيت كثيرًا لو كنت أنا واحدًا منهم، أو كنت مثل أغلب الأصدقاء والمعارف أعمل فى مجال أكثر تقليدية ورتابة.


فى نهاية يوم العمل، كنت سأشاهد التليفزيون، أتابع مسلسلًا دراميًا أهرب فيه من مشكلات الأيام وأعبائها، أو أتابع متحدثًا على الشاشة يعلق على حدث مرّ قبل أن أُصدر حكمى عليه. قد يكون شخصًا مريحًا مقبولًا، صاحب معرفة وصادق الرأى، أو منفّرًا مريبًا يقول كلامًا لملء الهواء وهو لا يعنيه، ونحن نعرف أنه لا يعنيه، لكننا نملأ فراغ الوقت والغرف بعاداتنا اليومية.


على قضبان قطار يعرف مواعيد بداية الرحلة ووقت الوصول فى كل محطة، ستسير الحياة. ستعرف متى يبدأ يومك وينتهى، وتعرف أول الأسبوع من نهايته.


• • •
جلست مرة مع أصدقاء واستسلمت لاختياراتهم التليفزيونية دون تحفظ، لكن الأمور لم تمضِ بسلاسة، وكنت أنا السبب.
«هذا البرنامج تكلفته أعلى من أثره…»
«الضيف اضطرّب وسيحاول التهرب من الإجابة…»
«المذيع تلعثم... عيب أوي…»
هكذا تتابعت تعليقـاتى لا شعوريًا، وطاردتهم بملاحظات المهنة بحكم إدمان العمل، وبدافع خفى لتفريغ بعض انفعالاتى المكتومة دائمًا وأنا فى الاستوديو، وهم جمهور يتابع على الجانب الآخر من الشاشة.
قال أحدهم ضاحكًا: «يا عم اسكت بقى وسيبنا نتفرج. مش عاوزين نعرف التفاصيل دي! ادينا بنتسلى!»
ضحكت بلمحة مرارة واعتراض، ثم كتمت الكلمات ومعها انفعالاتى وأحكامى المقموعة. تحملت رؤية كثير من تقلبات الناس والأحداث. رأيت من تتبدل مواقفه فى دقائق الفاصل الإعلانى بمكالمة تلقاها، ورأيت من أمضى عقودًا من الزمن محسوبًا على اتجاه واحد، ارتدى كل ألوانه ثم ألقاه بعيدًا بعد أن انتهى زمنه واستنفد غرضه، فارتدى بدلًا منه زى اتجاه آخر وهو فى ختام المشوار.
هذا مسئول أخلص ونجح قدر استطاعته ثم انصرف، وهؤلاء مسئولون قضوا وقتًا أطول بعد أن عرفوا طريق السلامة ومتطلبات البقاء.
صارت مهنتى محبسى، فلا أبادر برأى أو حكم كما يفعلون، ولو كان ذلك حتى خارج الاستوديو مع الدائرة الأقرب.
سواء كان قريبًا أو بعيدًا، لا يرحب الجمهور العزيز إلا ببقائى ضمن المساحة التى تعودها. فى الوقت نفسه على أن أكون جاهزًا بامتلاك إجابة فى حال سُئلت أى سؤال... لا بد أن أعرف بالتحديد مستوى قيمة الجنيه مقابل الدولار بعد ثلاثة شهور، ولا بد أن أعرف تقلبات دونالد ترامب من دقيقة لأخرى ومعانيها المتناقضة له ولنا. المهم أن أملك إجابة ما!
أما إذا كان السائل كسولًا ملولًا بعض الشىء، فسيختزل كل ما يريد فى هذه الصيغة السهلة السريعة التى لا أطيقها من كثرة تكرارها فيقول: «هو إحنا رايحين على فين؟».


• • •
بالأمس جلست مجددًا مع الأصدقاء، ودار الحديث حول شم النسيم والأعياد والحرب، ثم المنصات الاجتماعية والصحافة والإعلام، وأصدر كل منهم أحكامه على الأحداث وأبطالها، وقبل أن يحين دورى، همس صديق فى أذنى ناصحًا ومرشدًا:
«لا تندفع كثيرًا... أولًا، القعدة واسعة فيها من لا نعرفه. ثانيًا، أنت تبحث عن حياتنا العادية وإطلاق الأحكام كما نفعل نحن طوال الوقت، لكنك أسير قيد فرضته على نفسك بحكم فهمك لمهنتك، وهو الآن قيد عام بغض النظر عن مكانك أمام الكاميرا أو بعيدًا عنها».
استسلمت لما قال، ورددّت لنفسى:
«كلنا ننشد ما نفتقد من أدوار يمارسها الآخرون. أنا أجلس فى بقعة خاصة، يرى الناظرون لها ما ارتبط بها من ضوء، ولا يهتمون بما يصاحبها من قيد.
وأنا أحسدهم على أحكامهم المطلقة، وأيامهم الرتيبة بعد أن أرهقنى جنون العالم وتقلباته.
أبحث أنا عن حياتهم العادية، ويبحثون هم عن الضوء والمعلومة.
يبدو أننا جميعًا نبحث عن هذا الإحساس المظبوط الذى بحث عنه أبى فى سلسلة مقالات مجلة صباح الخير سنوات طويلة».

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved