سر الإجابة الغائبة فى «الأحوال الشخصية»

صفاء عصام الدين
صفاء عصام الدين

آخر تحديث: الإثنين 13 أبريل 2026 - 6:25 م بتوقيت القاهرة

تبدأ الحكاية بشرارة حب أو بترتيبات عائلية هادئة، ولا يتخيل أحد حينها أنه سيصبح يومًا مجرد رقم فى إحصائيات الطلاق، أو اسمًا فى ملفات قضايا الأسرة المكدسة، بعدما يتحول الشريك إلى خصم، وتكون المحاكم ساحة الصراع الأكثر إيلامًا؛ حيث تسود قاعدة «البقاء للأقوى».


كانت دراما رمضان هذا العام فرصة لفتح الملف، لكن تصادف تناول أكثر من مسلسل مشكلة قانون الأحوال الشخصية من خلال وجهة نظر الآباء فقط، وعرض معاناتهم مع رؤية أبنائهم التى تطبق فى النوادى لمدة ثلاث ساعات أسبوعيًا فقط، وتحولت المسلسلات لـ«ترند» وتفاعل النواب وأصبح تطبيق الاستضافة المطلب الأساسى على الطاولة، وكأنها المشكلة الأم فى قانون الأحوال الشخصية الذى تجاوز عمره مائة عام.


هذا الانحياز الدرامى، الذى تعامل مع القانون كأنه أزمة رؤية فقط، أسقط عمدًا مئات الصفحات من مآسى النساء اللواتى يجدن أنفسهن أمام منظومة قانونية وتنفيذية تجبرهن على العجز عن الاحتمال، بدءًا من انتزاع حقها فى الحرية والطلاق بعد زيجة غير مناسبة، لتخوض صراعًا على حقوقها المادية وحقوق أطفالها، وسط ضغوط اجتماعية ونفسية شديدة التعقيد.


الإجابة الغائبة


تلتزم الحكومة الصمت أمام الترند الذى خلقته الدراما، ومقترحات القوانين التى صاحبت عرض المسلسلات ومستمرة حتى الآن، ففى مؤتمر صحفى الخميس الماضى، طرح زميلنا الصحفى مصطفى يسرى سؤالين على رئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولى، الأول بشأن قانون الإدارة المحلية، وهو السؤال الذى أجاب عليه مدبولى، قبل أن يحيل السؤال الثانى عن مشروع قانون الأحوال الشخصية إلى وزير الدولة للإعلام، ضياء رشوان.
استمعت لمقطع الفيديو مرتين أبحث عن إجابة رشوان على سؤال تعديل قانون الأحوال الشخصية، وهو سؤال لم يأتِ من فراغ بل حركته الدراما واقتراحات النواب والجدل على وسائل التواصل الاجتماعى والمشاحنات الممتدة فى التعليقات بين الآباء والأمهات، لكن لم أجد إجابة، فاستطاع رشوان أن يدخل بنا فى موضوعات أخرى.


يأتى الصمت الحكومى، بعد مرور سنوات على توجيه الرئيس عبد الفتاح السيسى فى 2022 بتشكيل لجنة من الخبرات القانونية والقضائية المختصة فى قضايا ومحاكم الأسرة، لإعداد مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسلمين، بما يراعى المصالح المتعددة لجميع الأطراف المعنية بأحكامه وعلى نحو متوازن.


وكانت آخر تصريحات حكومية جادة بشأن وضع مشروع قانون متكامل للأحوال الشخصية فى مارس 2023، إذ أعلن حينها وزير العدل الأسبق، المستشار عمر مروان انتهاء اللجنة المشكلة خصيصًا لوضع القانون الجديد للأحوال الشخصية، من عملها بالكامل، ووضع كل الأحكام الموضوعية والإجرائية المتعلقة به، كما تحدث عن بناء المشروع على أسس موضوعية وعلمية دقيقة بعيدة عن الهوى والانطباعات، وكان من المتوقع وفقًا لمروان بدء الحوار المجتمعى بشأن مشروع القانون، ورغم مرور ثلاث سنوات لا نعرف مصير مشروع القانون الذى تحدث عنه مروان.


لماذا التعديل وكيف؟


هكذا يتراكم الملف بين دراما تصنع الجدل، وبرلمان يلتقط العناوين ويبنى عليها مقترحات، وحكومة تلتزم الصمت أو التأجيل، وحوادث تجدد الألم وتكشف عوار القانون، لكن السؤال الذى يتجاوز كل هذه الدوائر هو: لماذا يطالب الناس بتعديل قانون بهذه الحساسية؟ وكيف يمكن إعادة صياغته دون أن يتحول إلى استجابة لحظية لضغط إعلامى أو مجتمعى؟


القانون صدر قبل مائة عام لمجتمع لم يعد يشبهنا، رغم أنه شهد تعديلات متعددة ابتداء من 1929 مرورا بـ 1979 وهو ما عرف إعلاميا بـ«قانون جيهان»، ثم 1985 ثم 2000 ثم 2004 «الخلع» ثم 2005 «سن الحضانة».


فنساء عام 1920 لا تشبه المرأة فى 2026، ورجال ذلك الزمن لا يطابقون رجال زمننا، كما إن إدارة العلاقات الأسرية وقتها، لا تطابق شكل الأسرة المعاصرة بتعقيداتها الحالية.


ظل القانون جامدًا على مدار أكثر من مائة عام بينما تتعقد الحياة، وتتشابك العلاقات وتزداد الأعباء، فأصبح خارج الزمن لا يلبى الاحتياج منه فى تنظيم العلاقات أو إدارة الخلافات، خاصًة أن قوة أى قانون للأسرة لا يُقاس فقط بقدرته على تنظيم الخلاف عند وقوعه، وإنما بقدرته على تقليل احتمالات الصدام وحماية الطرف الأضعف دون الإخلال بحقوق الطرف الآخر، وعندما تتغير بنية المجتمع، ولا يتغير معه التنظيم القانونى بنفس السرعة، تظهر الفجوة التى لا يمكن سدها بالحلول الجزئية أو التعديلات المتفرقة.
لكن الأزمة الحقيقية أن الحياة تبدو أنها تطورت، ومع ذلك ما زال الوصم الاجتماعى للمطلقة قائمًا وتحاول الدولة حمياتها بعدم كتابة حالتها الاجتماعية فى بطاقتها الشخصية، وما زالت موازين القوى فى المجتمع، اقتصاديًا واجتماعيًا، تميل فى كثير من الأحيان لصالح الذكور، سواء فى القدرة على التحكم فى الموارد أو فى إدارة مسار النزاع بعد الانفصال.


لا يظهر ميزان القوة داخل العلاقة أثناء استمرارها، ولكنه يمتد إلى ما بعدها، داخل ساحات المحاكم فى مراحل التقاضى، فلا يقف الطرفان فى موقع متكافئ، فمن يملك الدخل أو القدرة على تعطيل النفقة، يملك فى كثير من الأحيان قدرة أكبر على إطالة أمد الأزمة، بينما يجد الطرف الآخر نفسه محاصرًا بين احتياجات يومية ملحة، ونفقة صغار وأعباء مادية ونفسية وإجراءات قانونية طويلة ومعقدة.


هنا، لا يصبح الخلاف مجرد نزاع قانونى بين طرفين، إنما امتداد لبنية اجتماعية واقتصادية أوسع، تنتج تفاوتًا حقيقيًا فى القدرة على الوصول إلى الحق أو تأخيره أو حتى التنازل عنه تحت الضغط، ومن هنا تحديدًا، يصبح الحديث عن تعديل قانون الأحوال الشخصية ليس مجرد نقاش تقنى حول مواد قانونية، بل محاولة لإعادة ضبط علاقة معقدة بين القانون والمجتمع، بين النص والواقع، وبين المساواة، والعدالة، وشتان بينهما.


لا للتعديل تحت الضغط


إن اختزال قضية الأحوال الشخصية فى ثنائية الرؤية والاستضافة، حق يراد به باطل؛ فحق الطفل وغير الحاضن فى التواصل هو حق أصيل لا جِدال فيه، لكنه لا يمكن أن يطرح بمعزل عن منظومة حماية الطفل وضمان عودته للحاضن. الأمر هنا لا يتوقف عند صياغة اشتراطات قانونية صماء، تُقتبس من تشريعات أخرى أو تستنبط عبر الذكاء الاصطناعى، بل العبرة فى القدرة على التنفيذ؛ خاصة فى ظل واقع مؤلم يضم عشرات الأحكام القضائية بعودة أطفال لأمهاتهم ولا تزال معطلة دون تنفيذ.
لم تعد القضية مجرد رؤية ونفقة، لكنها عشرات القضايا التى تصارع النساء فيها من أجل حقوقها وحقوق أطفالها فى المحاكم قضايا تخطتها دول عدة بالتطليق أمام القاضى، أو بإشراف خبراء على عقود اتفاق بين الطرفين فى حالة الانفصال، ولابد أن نبحث هذه الحلول ونقننها.


ورغم إيمانى بضرورة العمل على مشروع قانون جديد للأحوال الشخصية، أخشى أن يأتينا الضغط والاستجابة لصراع وسائل التواصل الاجتماعى بتعديلات قد تكون الأسوأ؛ إذ إن التشريع الذى يصاغ تحت وطأة (الهاشتاجات) وضغط الصوت الأعلى، يتحول من وثيقة حماية مجتمعية إلى صكوك انتقامية، وقد تخرج مصلحة الطفل الفضلى من الحسابات وقتها.


الحل الأمثل فى هذا التوقيت، ليس فى الهروب إلى الأمام بتعديلات محدودة تداوى جرحًا وتفتح جراحًا أخرى، بل فى إخراج مشروع القانون المحبوس فى أدراج الحكومة منذ ثلاث سنوات إلى النور. نحن بحاجة إلى حوار مجتمعى حقيقى، لا يقتصر على الغرف المغلقة أو استطلاعات الرأى الرقمية.


كاتبة وصحفية متخصصة فى الشأن السياسى والبرلمانى

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved