هل انتهى زمن القانون والمؤسسات الدوليين؟
صحافة عربية
آخر تحديث:
الإثنين 13 أبريل 2026 - 6:30 م
بتوقيت القاهرة
تزايدت الخطابات والمواقف التى أصبحت لا تتوانى عن التقليل من أهمية القانون والمؤسسات الدوليين فى ظل الخروقات التى ترتكب من قبل عدد من الدول الكبرى.
يحرّم القانون الدولى اللجوء إلى استخدام القوة أو مجرد التهديد باستعمالها فى العلاقات الدولية، ويؤكد ضرورة الاستناد إلى الآليات السلمية فى معالجة الأزمات وتسوية النزاعات عبر مختلف السبل الدبلوماسية والقضائية، فيما تتيح المادة الـ 51 من ميثاق الأمم المتحدة للدول ممارسة حقها فى الدفاع الشرعى الفردى والجماعى عن نفسها، فى حال تعرضها لهجوم عسكرى، ويسمح من جهة أخرى لمجلس الأمن بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة باتخاذ الإجراءات الزجرية اللازمة لحفظ السلم والأمن الدوليين. فيما تسعى قواعد القانون الدولى الإنسانى إلى الموازنة بين الضرورة العسكرية والحماية الإنسانية.
وارتباطًا بمختلف التهديدات العابرة للحدود من إرهاب وجريمة منظمة، هناك الكثير من الاتفاقيات الدولية التى تضع إطارًا للحد من هذه المخاطر (مكافحة الإرهاب، والجرائم المنظمة العابرة للحدود)، كما لا تخفى أهمية التعاون القضائى الدولى، وبخاصة فيما يتعلق بتسليم المجرمين وتبادل المعلومات المرتبطة بهذا الشأن، بالإضافة إلى مختلف الاتفاقيات التى تدعم الأمن الرقمى.
وقد شكل إحداث المحكمة الجنائية الدولية حدثًا عالميًا مهمًا على طريق تعزيز العدالة الجنائية الدولية والحد من الإفلات من العقاب، وبخاصة فيما يتعلق بمتابعة المتورطين فى ارتكاب جرائم خطِرة كجرائم الإبادة الجماعية، والجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الحرب وجريمة العدوان.
يبدو أن القانون الدولى يمرّ بمرحلة مفصلية فى ظل الواقع العالمى الراهن، بالنظر إلى توالى الخروقات التى تطول بنوده، وبخاصة على مستوى فرض منطق قانون القوة على حساب قوة القانون، وعجز هذا القانون عن مواكبة الكثير من التطورات التى أحدثها بروز مما يسمى بـ«الحروب الهجينة»، وتزايد التهديدات غير الدولاتية، أى تلك المخاطر التى تسببها أطراف من غير الدول، كما هو الشأن بالنسبة للجيوش الخاصة أو الجماعات الإرهابية، أو تلك الناجمة عن تلوث البيئة والجرائم الرقمية.
ومع تصاعد حدة الانتهاكات التى أصبحت تلحق بقواعد القانون الدولى خلال العقود الأخيرة، وبخاصة بعد اندلاع الحرب الروسية فى أوكرانيا، وتوالى الاعتداءات الإسرائيلية على قطاع غزة، والحرب على إيران، وقيام هذه الأخيرة باستهداف عدد من دول الجوار، مما تسبب فى عدد من الخسائر البشرية، واستهداف عدد من البنى التحتية المدنية، بدأت الكثير من الأسئلة تثار بشأن مستقبل القانون الدولى، وحول مدى القدرة على كسب رهانات السلم والأمن فى واقع دولى سمته الصراع والأزمات والحروب، بل هناك من الباحثين والمختصين من ذهب إلى حد اعتبار هذه المحطات هى بمثابة منعطف حقيقى يعكس بداية انهيار القانون الدولى والأمم المتحدة. خصوصًا أن هذه الأحداث مجتمعة كشفت هوة عميقة بين مقتضيات القانون الدولى ومبادئ وأهداف وقرارات الأمم المتحدة من جهة، وتطبيقاتها الميدانية إقليميًا ودوليًا من جهة أخرى.
إن استمرار الكثير من الانتهاكات دون ردّ، يعطى الانطباع وكأن هناك نوعًا من التطبيع مع استخدام القوة فى العلاقات الدولية، وتهميش الآليات الدولية لتسوية النزاعات وتدبير الأزمات، ذلك أن الكثير من التدخلات العسكرية أصبحت تتم خارج نطاق تفويض مجلس الأمن بفعل استخدام حق الفيتو أو التهديد باستعماله، وبعيد عن مقتضيات قراراته ذات الصلة، أو تبرر بممارسة حق الدفاع الشرعى ضمن تفسير ضيق لا يخلو من انحرافات للمادة الـ 51 من ميثاق الأمم المتحدة.
تتزايد المخاوف أمام هذا الواقع الدولى المرتبك، الذى يحيل إلى شلل المؤسسات الدولية فى مواجهة هذه المخاطر والتحديات، وعدم قدرة القانون الدولى على مواكبة التحولات الدولية المتسارعة بإشكالاتها العسكرية والرقمية والبيئية والإنسانية، وتنامى صور الكيل بمكيالين التى تعكس تطبيقات انتقائية للقانون الدولى، بما يكرس تخوفات جدية لدى دول الجنوب فى مقابل استهتار عدد من دول الشمال بعمل المؤسسات الدولية وبمقتضيات القانون الدولى العام.
من الصعب جدًا أن نحسم الجدل بالقول ببساطة: إن القانون الدولى أو المؤسسات الدولية قد انهارا أو فى طور الانهيار، رغم أزمة الشرعية التى يمران بها، فلا تخفى أهمية القانون الدولى فى تنظيم عدد من القطاعات والمجالات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية والثقافية والتجارية.. فى عالم متطور سمته التشابك والاعتماد المتبادل، كما لا يمكن غضّ النظر عن الجهود التى تبذلها المنظمات والهيئات الإقليمية والدولية العاملة فى مجالات الأمن والاقتصاد وحقوق الإنسان والتنمية فى هذا الصدد، ونستحضر من جانب آخر جهود المحاكم الدولية، كما هو الشأن بالنسبة لمحكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية فى مجال تطبيق القانون الدولى.
إن العجز عن تطبيق القانون الدولى الإنسانى يكرس الإفلات من العقاب، بما يفرض إصلاح الأمم المتحدة و«دمقرطتها»، وكذا تطوير مقتضيات القانون الدولى.
إدريس لكرينى
جريدة الخليج الإماراتية