نحو تحول ديكتاتورى ناجح!

أحمد عبدربه
أحمد عبدربه

آخر تحديث: السبت 13 مايو 2017 - 9:25 م بتوقيت القاهرة

البداية لفهم عوامل بقاء السلطوية المعاصرة على أقصى يمين الخط السياسى والأيديولوجى وتناوب ممارستها بين معظم أطراف الطيف السياسى فى مصر، تبدأ من رصد الحياة اليومية لأى مواطن عادى من المنتمين للطبقات تحت المتوسطة فيما دونها، وهى الطبقات التى كانت عادة توصف بالمتوسطة فى ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضى والتى أصبحت تمثل الأغلبية الساحقة من بلد التسعين مليونا.
حياة تبدأ بزحمة المواصلات القاتلة مرورا بأماكن عمل مرهقة وغير عادلة فى بعض الأحيان ثم إلى عمل آخر أو «مصلحة» أخرى ثم عودة إلى البيت لقسط من الراحة وهكذا دورة حياة لا تتوقف. ليت الأمور بهذه البساطة، ففى خضم كل ذلك يتعرض المواطن لكم غير عادى من الضغوط والتمييز فى محيط الأسرة الأكبر والجيران وأصحاب العمل، فضلا عن معاناة أخرى مع أماكن قضاء الخدمات العامة والحكومية (الصحة والتعليم والشهر العقارى...إلخ)، فيتعود المواطن مع مرور الوقت على الطاعة العمياء ويطأطئ رأسه ويكسر نفسه ويقرر مجبرا أن يكون مجرد رقم صغير فى معادلة أكبر بكثير منه هو لا يرى أولها ولا آخرها هو فقط يبحث عن متنفس هامشى فيها حتى يعود لخالقه!
إذا أراد هذا المواطن أن يبحث عن عمل لأحد أولاده، أو أن يتابع مظلمة هنا أو هناك أو أن يحصل على نصيب هامشى فى ميراث عائلى فهو مضطر للدخول فى حلقة أوسع من المفرمة المجتمعية السلطوية فى انتظار حسنة من هنا أو من هناك، وساطة أو محسوبية أو مكرمة أو شفاعة بشرية وإذا حصل عليها فسيظل عبدا بكل ما تعنيه الكلمة من معنى لأصحاب الفضل عليه!
حينما يقرر هذا المواطن أن يذهب للمسجد أو الكنيسة كل أسبوع أملا فى البحث عن عدل الله والحصول على طاقة متجددة تعينه على الحياة وتضفى على حياته معنى فإنه عادة لا يجد إلا مجموعة إما من الموظفين الذين لا تفرق حياتهم كثيرا عن حياته ولكنهم يؤدون أدوارا مجتمعية مختلفة فيأخذونه فى رحلة تاريخية عن أفضال ومكارم السابقين وعن تقصير وتهافت المعاصرين حتى يؤمن تماما أن المشكلة فى النهاية هى مشكلته هو وتقصيره هو ونقصه هو أو مجموعة من النصابين الذين يستخدمونه كوقود فى معارك متخلفة سطحية عن الكفر والإيمان ويشعرونه وكأنه فى نهائى تصفيات المباراة المؤهلة للجنة فيجد صاحبنا معنى مقدسا لحياته المليئة بالآلام والمعاناة!
إذا كان هذا هو حال الملايين من المصريين من المنتمين للطبقات تحت المتوسطة، فإن حياة ملايين أقل من المنتمين للطبقات المتوسطة فما فوقها لا يختلف كثيرا عما سبق إلا من حيث الشكل، لكن بنفس المضمون! شبكة هيراركية من العلاقات المجتمعية السلطوية غير العادلة مع اختلاف فى بعض تفاصيل، لكن النتيجة واحدة، أنت دائما تابع لمن هو أعلى منك فى المرتبة السلطوية للمجتمع سواء بسلطته ونفوذه أو بماله أو بشهرته أو بعلاقاته أو بامتداداته العائلية أو القبلية أو المؤسسية وهكذا!
هنا نكون أمام سؤال منطقى، هل هذه التراتبية السلطوية قاصرة فقط على مصر والمنطقة العربية؟ الإجابة هى قطعا بالنفى، فالكثير من المجتمعات المتأخرة اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا تعانى من نفس هذه المشكلات بالتأكيد، لكن الفرق دائما هو فى استمرارية السلطوية ثابتة بلا تغيير لقرون وعقود فى بلادنا وقدرة مجتمعات أخرى على تغييرها تماما واستبدالها بمعادلات أكثر ديمقراطية أو على الأقل زحزحتها قليلا أو كثيرا نحو اليسار بحيث تظل السلطوية قائمة لكن فى ظل معادلات أكثر تشاركية لفئات متعددة من المجتمع!
***
إذا ما عقدنا مقارنة بين السلطوية المصرية على سبيل المثال لا الحصر مع سلطويات دول مثل اليابان والصين وكوريا الجنوبية فى آسيا، أو البرازيل والأرجنتين وتشيلى فى أمريكا الجنوبية، أو مع سلطوية دول الكتلة الشرقية أو الدول اليوغسلافية فى الشرق والوسط الأوروبى، أو مع إسبانيا والبرتغال فى الغرب الأوروبى، أو مع سلطويات دول الغرب والجنوب الأفريقى، أو حتى مع بعض سلطويات الشرق الأوسط مثل تركيا أو تونس أو المغرب أو لبنان فى الفترة بين خمسينيات القرن الماضى واللحظة الراهنة سنجد أن مصر هى الأبطأ على الإطلاق فى التحول الديكتاتورى (لا أقول الديمقراطى)! ففى حين أن دول مثل إسبانيا والبرتغال واليابان وكوريا الجنوبية تحولت تحولا ديمقراطيا ناجحا تماما، كما أن دول مثل البرازيل والأرجنتين وتشيلى ودول الشرق الأوروبى أحرزت تحولا ديمقراطيا معقولا، فضلا عن أن الدول الأكثر بطأ مثل بعض الدول فى الغرب والجنوب الإفريقى وبعض الدول الشرق أوسطية قد أحرزت بعض النجاح فى التحول الديكتاتورى (تحركت يسارا لكنها لم تعبر بعد خط المنتصف نحو التحول الديمقراطى)، إلا أن مصر بكل أسف أصرت على البقاء فى مكانها والأغرب أن نخبتها فى السلطة والمعارضة تحاول التحول نحو مزيد من اليمين السلطوى المتطرف رغم أنه لم يعد هناك مكان آخر فى أقصى اليمين اللهم إلا أن نتحول نحو النسخ الخارجة من الإطار التاريخى والبشرى مثل كوريا الشمالية مثلا!
***
مازالت مصر دولة، أى إن هناك دساتير وقوانين ومؤسسات، صحيح كل هذا متهالك لكنه مازال موجودا وقادرا على إنتاج الحد الأدنى اللازم للبقاء، لكن حتى تستطيع هذه المؤسسات أن تنتج سياسات اقتصادية وسياسية وأمنية تتمتع بالنجاح النسبى فلا بديل أبدا عن قرار التحول الديكتاتورى الناجح! أى أن تتخلى عن نسخة ديكتاتورية الفرد نحو نسخة ديكتاتورية أكثر تشاركية بها تمثيل أكبر للمدنيين والسياسيين والمعارضين والفئات المجتمعية الأكثر تهميشا فى عملية صنع القرار السياسى!
هذا يختلف تماما عن عملية الإصلاح من الداخل، لأن الأخير محكوم عليه بالفشل بكل أسف على الأقل فى الظروف الحالية، لأن الإصلاح من الداخل يفترض أن هناك حدا أدنى من المعايير والأطر المؤسسية المتشابكة المعطوبة القابلة للإصلاح من داخلها، وهذا غير متوافر فى مصر لأن ما يجمع عمل المؤسسات المصرية ويوفر لها الحد الأدنى اللازم من البقاء هو شرعية الرئيس كفرد وليس أى إطار دستورى مفعل وواضح لتوزيع المهام والمسئوليات، بعبارة أخرى فلا يوجد «داخل» حتى يتم إصلاحه! ما أطرحه هنا أقل تعقيدا بكثير من عملية الإصلاح من الداخل، هو مرحلة أقل تقدما يمكن أن نطلق عليها المبادرة السلطوية للتحول الديكتاتورى، أى قرار فردى ربما بضغوط من الشبكات الضيقة المحيطة بمركز الحكم أو بضغوط مجتمعية أوسع للتزحزح قليلا من أقصى يمين السلطوية (النسخة الحالية) نحو اليسار قليلا.
لكن ماذا يتطلب كل ذلك؟ يتطلب عمليتين متوازيتين للتحول الديكتاتورى، الأولى عملية تحول ديكتاتورى داخل مركز الحكم ومحيطه الضيق نحو قرار رشيد بمزيد من المشاركة المجتمعية والسياسية، مؤتمر الشباب هنا مجرد نواة لمشاركة مجتمعية محدودة لكن المطلوب ما هو أوسع بإشراك مؤسسات وأحزاب سياسية أكثر تطرح مواضيع أوسع بكثير من المطروحة فى مؤتمر الشباب تتجاوز مجرد الحديث عن الإفراج عن الشباب المعتقلين أو تحسين بعض الخدمات العامة إلى حديث أشمل عن الحقوق والحريات والعلاقات بين مؤسسات الدولة وبعضها البعض، فضلا عن العلاقة بين المؤسسات الأمنية بتنويعاتها المختلفة وبين التيارات السياسية والمدنية بأطيافها.
الثانية هى عملية تحول ديكتاتورى داخل النخب السياسية المعارضة أو الممانعة أو حتى التى تعتقد ــ بؤسا ــ أنها جزء من عملية الحكم نحو ممارسات سلطوية تشاركية بضغوط ربما من شبابها أو من بعض قواعدها المحدودة لإيجاد ممارسات أكثر تعددية وتشاركية من الممارسات الموجودة حاليا، بحيث تتوقف النزاعات ذات الطابع القبلى أو الشللى على الأشخاص، إلى نزاعات ذات جدوى على قواعد الحوكمة بداخلها، لأنه يقيننا حتى لو وصلت هذه القوى السياسية إلى مقاعد الحكم فى إطار تحول مفاجئ ثورى أو غير ثورى فإنها ستقدم نسخة لا تقل بؤسا عن النسخ التى عرفتها ومازالت تعرفها مصر حتى اللحظة!
***
حينما قال الرئيس السيسى فى مناسبتين مختلفتين أن مصر تحتاج من ٢٠ إلى ٢٥ عاما حتى تتحول ديمقراطيا فإن هذا الكلام صحيح من الناحية النظرية بالفعل، وهذه الفترة كانت المتوسط اللازم للتحول الناجح فى عدد كبير من النظم السياسية شرقا وغربا، لكن هذا بفرض أن الشروط اللازمة لعملية التحول الديمقراطى قد بدأت بالفعل! أما وأنها لم تبدأ بعد فى مصر ــ أدعى أننا مازلنا بعيدا تماما عنها ــ فإننا فى حاجة أن نتحول ديكتاتوريا أولا نحو الشروط اللازمة كى تبدأ هذه المدة المفترضة، لأن البديل أننا سنظل فى محلنا سرا فى انتظار تحول جذرى غير مضمون العواقب ولا النتائج!

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2024 ShoroukNews. All rights reserved