حرب استنزاف» أم «حالة اللا سلم واللا حرب»
وليد محمود عبد الناصر
آخر تحديث:
الأربعاء 13 مايو 2026 - 6:50 م
بتوقيت القاهرة
ما يجرى منذ إعلان وقف إطلاق النار المؤقت بين كل من الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، الذى تم إعلانه فى يوم 8 أبريل 2026، بعد نحو 40 يومًا من الحرب، وهو ما استمر منذ تمديد العمل بوقف إطلاق النار المؤقت هذا لاحقًا، من الصعب توصيفه بأنه وقف إطلاق نار ثابت أو مستقر أو متكامل أو شامل، ويتباين استخدام التعبيرات الموجودة فى العلاقات الدولية والعلوم السياسية ودراسات الصراع والحرب والسلام فى توصيفه ووصفه، ولكن أغلب التقديرات من الخبراء تميل إما إلى توصيفه بأنه حالة من «حرب الاستنزاف» المتبادلة بين الطرفين من جهة، أو إلى وصفه بأنه يمثل حالة من حالات «اللا سلم واللا حرب» من جهة أخرى.
ونحن فى مصر والوطن العربى والشرق الأوسط قد مررنا من قبل من الناحية العملية، ومن منظور تاريخى، بكل من التجربتين، أى «حرب الاستنزاف» و«حالة اللا سلم واللا حرب»؛ حيث سرت الحالة الأولى بين مصر وإسرائيل ما بين ما بعد نهاية حرب يونيو 1967 واستمرت حتى صيف عام 1970، بينما سرت الحالة الثانية ما بين قبول الرئيس الراحل جمال عبدالناصر بمبادرة «روجرز» الأمريكية لوقف إطلاق النار بين مصر وإسرائيل فى صيف عام 1970 حتى شن مصر وسوريا حرب السادس من أكتوبر 1973 بهدف تحرير الأراضى العربية التى احتلتها إسرائيل فى حرب الخامس من يونيو 1967.
ويمكن القول إن الحالة السائدة فى الفترة الراهنة بين كل من الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى تجمع بين الوضعيتين، أى بين وضعية «حرب الاستنزاف» من جانب ووضعية «حالة اللا سلم واللا حرب» من جانب آخر، مع ضرورة الإشارة إلى هشاشة الوضعية الراهنة لوقف إطلاق النار الحالى وإشارة كل طرف، خاصة الطرفين الأمريكى والإسرائيلى، إلى أن وقف إطلاق النار المؤقت والممدد قد يكون مقدمًا على الانهيار فى القريب العاجل، وكذلك تلميح الطرفين، صراحة أحيانًا وضمنًا أحيانًا أخرى، إلى أن خيار استئناف العمليات العسكرية ضد إيران قد يكون وشيكًا، إذا لم تنصاع إيران بشكل كامل وتقبل بالمطالب الأمريكية والإسرائيلية.
فلم يمض وقت طويل بعد وقف إطلاق النار حتى فرضت واشنطن حصارًا بحريًا على الموانئ الإيرانية، ردًا على ما اعتبرته الولايات المتحدة الأمريكية إغلاقًا فعليًا من جانب إيران لمضيق هرمز أمام الملاحة الدولية، وهو وضع سرعان ما تطور بشكل دراماتيكى إلى الأسوأ، حيث تبادل الطرفان الأمريكى والإيرانى تدمير أو قصف أو إصابة سفن تابعة للجانب الآخر أو مشمولة بحمايته، ولكن بالطبع الأمور لم تتوقف عند هذا الحد، وبدأت أهداف داخل إيران تتعرض للقصف الانتقائى والمتقطع، بينما عادت إيران بدورها، وربما ردًا على ذلك، أو ردًا على موقف بعض دول منطقة الخليج المؤيدة للمواقف الأمريكية والإسرائيلية بشكل تراه إيران كاملًا ومعاديًا لها، فى العودة لاستهداف أهداف أمريكية ومنشآت نفطية وأهداف أخرى، فى بعض الدول العربية فى منطقة الخليج، عبر ضربات منتقاة ومتقطعة أيضًا.
وبالرغم من أن عددًا من كبار المسئولين الأمريكيين كانوا قد أعلنوا منذ أيام قليلة عن أن احتمال استئناف الحرب يبدو مستبعدًا فى الوقت الراهن، ووصل الأمر إلى صدور تصريح عن وزير الخارجية الأمريكى ذكر فيه أن الإدارة الأمريكية أبلغت الكونجرس بانتهاء العمليات العسكرية ضد إيران، فإن تصريحات الرئيس الأمريكى يوم الإثنين 11 مايو بأن المقترح الإيرانى الأخير الوارد لواشنطن، والذى يأتى ردًا على مقترح أمريكى سابق عليه، غير مقبول بالنسبة لواشنطن، وأن وقف إطلاق النار فى الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران هو حاليًا فى موقف حرج وقد يكون فى مراحله الأخيرة، جاءت لتعيد إلى أذهان العالم بأسره احتمالات تجدد الحرب من جديد، وبدون معرفة مسبقة لنطاقها وشدتها ومداها الزمنى هذه المرة أيضًا، كما أنها جاءت لترسخ وعى المجتمع الدولى بعمق عدم الاستدامة الذى يميز وقف إطلاق النار الجارى لأنه من الناحية الفعلية بلا أسس قوية يرتكز عليها ويوجد توافق حولها كما أنه يقف هشًا فى ظل غياب أى ضمانات دولية ملزمة تكفل استمراره.
وما جرى منذ وقف إطلاق النار فى 8 أبريل وحتى الآن يدخل بالتأكيد فى إطار حرب استنزاف بمعناها الواسع.
فالجانب الإيرانى لا يستطيع التخلى عن حالة الحذر والتنبه والترقب والاستعداد والتوقع لأى هجوم مفاجئ قادم من جانب واشنطن أو تل أبيب أو كليهما، كما أنه يعانى أصلًا مما تعرض له من خسائر خلال الـ 40 يومًا الأولى للحرب، ولا يستطيع بدء جهود إعادة الإعمار لما تم تدميره تخوفًا من تجدد الحرب، بالإضافة إلى ما يعانيه، بالرغم من بيانات وتصريحات عدد من كبار مسئوليه بخلاف ذلك، من جراء الحصار البحرى الأمريكى العسكرى المشدد على موانيه.
كما أنه إذا تعمقنا فى التحليل وتجاوزنا التصريحات المعلنة، نجد أن الوضع ليس بالضرورة أفضل للجانب الأمريكى، فهو يعلم أن إيران تستطيع أن تصمد أمام الحصار البحرى شهورًا، ويدرك كذلك أن استمرار تعطل الملاحة فى مضيق هرمز يعرض الاقتصاد العالمى لمخاطر جمة، بعضها أصاب بالفعل، والبعض الآخر سوف يصيب فى المستقبل القريب، الاقتصاد الأمريكى أيضًا بأوجه عطب وخلل لا يجب الاستهانة بها أو التقليل من شأنها، بالرغم مما يقال من جانب بعض المسئولين الأمريكيين رفيعى المستوى عن أن إغلاق المضيق ساهم فى زيادة صادرات النفط والغاز الأمريكية للعالم الخارجي.
وبدوره الجانب الإسرائيلي، وبالرغم مما يعلنه عدد من كبار مسئوليه عن رغبتهم فى استئناف الحرب على إيران لتحقيق أهدافهم وما يدفعوا به من فصل للمسار الإيرانى عن المسار اللبنانى، فإن الوقائع على الأرض تؤكد أنهم يخوضون حرب استنزاف فى مواجهة حزب الله اللبنانى لا تكلفهم فقط خسائر مادية، بل وخسائر بشرية أيضًا، وأنهم منذ انضم حزب الله للحرب مع إيران فى 2 مارس 2026، لم يتمكنوا من توفير الأمن أو الأمان لسكان شمال إسرائيل أو يضمنوا عودة الحياة لديهم إلى طبيعتها، بحسب ما تؤكده تقارير وحوارات لشبكات التليفزيون ووكالات الأنباء العالمية مع سكان الشمال الإسرائيلي.
كذلك فإن ما يدور منذ وقف إطلاق النار فى 8 أبريل 2026 وحتى الآن يدخل، وبالدرجة نفسها، فى سياق تعريف «حالة اللا سلم واللا حرب».
فالجولة الوحيدة للتفاوض بعد إعلان وقف إطلاق النار، والتى جرت بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران فى العاصمة الباكستانية إسلام أباد وبوساطة رفيعة المستوى من الجانب الباكستانى، وبعد تنسيق باكستانى مكثف مع دول عربية وإسلامية ذات ثقل ووزن تمثلت فى جمهورية مصر العربية والمملكة العربية السعودية والجمهورية التركية، سرعان ما انفضت بالرغم مما قيل عن تحقيق بعض التقدم، ولم تلتئم الجولة الثانية من المفاوضات حتى الآن، وكل ما تم هو تبادل مقترحات بين الطرفين عبر الوسيط الباكستانى، بلا إشارات إلى تقارب فى المواقف وبما لا يبشر بأن اتفاقًا نهائيًا، أو حتى مرحليًا، يلوح فى الأفق من قريب أو بعيد.
ووقف إطلاق النار الذى بدأ مؤقتًا وموقوتًا بفترة زمنية محددة، تم مده لاحقًا تحت شعار إتاحة الفرصة لكى تثمر المفاوضات عن اتفاق، وهذا التمديد جاء بدون تحديد الفترة، كما أنه خلا من أن يتم إقراره وتقديم ضمانات بشأن استمراره واستقراره وثباته من قبل مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة على سبيل المثال، أو من قبل أى مجموعة من القوى الدولية والإقليمية ذات التأثير، سواء كبديل عن المنظمة الدولية أو بالإنابة عنها.
ومن المتفق عليه أن تكلفة العودة للحرب الشاملة مرتفعة للغاية على جميع الأطراف، سواء المباشرة أو غير المباشرة، فى هذه الحرب، إلا أنه من غير المستبعد إما استمرار الجمع بين وضعية «حرب الاستنزاف» وبين «حالة اللا سلم واللا حرب»، وهى الوضعية القائمة حاليًا، أو المزيد من التصعيد فى حرب الاستنزاف المتقطعة والانتقائية، بما قد يخرج فى لحظة ما عن نطاق السيطرة، وتعود الحرب الشاملة، أو ربما تقوم حالة حرب أشد شراسة وعنفًا وتدميرًا مما حدث ما بين 28 فبراير و8 أبريل 2026، خاصة أنه لا شك أن بعض الأطراف، المباشرة أو غير المباشرة، وكذلك بعض القوى المؤثرة داخل بلدان بعض الأطراف فى الحرب، قد تكون تسعى، ومنذ فترة ليست بالقصيرة، لاستئناف الحرب على نطاق واسع وبشكل سريع تحت أوهام متجددة تتحدث عن إمكانية تحقيق الانتصار العسكرى الحاسم والسريع، وبما يلبى فى واقع الأمر متطلبات واحتياجات استراتيجية وأمنية لهذه الأطراف أو هذه القوى، ولكن ربما بالمخالفة لمصالح شعوبها ولأمن وسلامة واستقرار المنطقة والعالم بأسره. كذلك علينا أن نتذكر جميعًا أن افتراض العقلانية والرشد الكامل فى حالة اتخاذ أى دولة قرارًا لشن الحرب على دولة أخرى هو افتراض لم يكن له تاريخيًا أسانيد قوية أو أمثلة كثيرة، سواء على صعيد منطقة الشرق الأوسط، أو على الصعيد العالمى ككل.