أحمد رشدى.. لقطتان عن دوره الوطنى

وليد محمود عبد الناصر
وليد محمود عبد الناصر

آخر تحديث: السبت 13 يوليه 2013 - 12:44 م بتوقيت القاهرة

انتقل إلى رحمة الله منذ أيام قليلة اللواء أحمد رشدى وزير الداخلية الأسبق خلال الفترة ما بين عامى 1984 و1986، بعد عمر حافل اقترب من التسعة عقود، وترك بصمته الوطنية على تاريخ مصر المعاصر. وسوف نتناول هنا لقطتين من حياة اللواء أحمد رشدى تظهران مدى وطنية هذا الرجل ودرجة انتمائه لمصر وولائه لها.

 

أما اللقطة الأولى، وهى التى قد لا يعرف كثيرون عنها، فهى أن الدور الوطنى للواء أحمد رشدى رحمه الله لم يبدأ عندما تولى مسئولية وزارة الداخلية المصرية والملف الأمنى فى عقد الثمانينيات من القرن العشرين، بل بدأ قبل ذلك بسنوات، بل بعقود، حيث إنه بدأ مع دور وطنى كبير لعبه عندما كان ضابط شرطة.

 

وذلك فى أعقاب إعلان مصطفى باشا النحاس، الزعيم الوطنى ورئيس حزب الوفد ورئيس الحكومة المصرية فى ذلك الوقت، فى أكتوبر 1951 إلغاء المعاهدة المصرية البريطانية التى سبق أن وقعها النحاس باشا عام 1936، وهو القرار الذى فتح الباب على مصراعيه أمام انطلاق حرب التحرير الوطنية ضد قوات الاحتلال البريطانى المتواجدة آنذاك فى منطقة قناة السويس ومدنها.

 

فقد لعب اللواء أحمد رشدى رحمه الله دورا فعالا، مع آخرين من ضباط وأعضاء جهاز الشرطة فى ذلك الوقت، فى التنسيق مع تنظيم الضباط الأحرار، الذى كان ساريا فى ذلك الوقت، الذى قام بدوره بقيادة حرب التحرير الوطنية تلك، وتدريب المتطوعين من مختلف القوى السياسية الوطنية المصرية، على تعددها وتنوعها، حينذاك، وتزويدهم بالسلاح اللازم للقيام بعمليات المقاومة ضد قوات الاحتلال البريطانى.

 

حيث إنه كان يقدم المعلومات الاستخباراتية اللازمة لقادة حرب التحرير الوطنية حول أماكن تواجد وتمركز وتحركات وأنشطة قوات الاحتلال البريطانى المتواجدة فى منطقة القناة، ويسهل من وصول المتطوعين من العسكريين والمدنيين إلى مدن القناة للقيام بعمليات المقاومة ضد قوات الاحتلال ثم يقوم بتسهيل وتأمين مغادرتهم المنطقة بعد ذلك بسلام بعد نجاح عمليات المقاومة تلك.

 

وقد استمر هذا الدور للراحل الكريم بعد قيام ثورة 23 يوليو 1952، حيث تبنت قيادتها فعليا مواصلة، بل وتصعيد، حرب التحرير الوطنية فى منطقة القناة حتى تحقق النصر أولا عبر اتفاقية جلاء القوات البريطانية عن مصر فى أكتوبر 1954، ثم نهائيا عبر جلاء آخر جندى بريطانى عن منطقة القناة يوم 18 يونيو 1956، وإن كانت هذه القوات قد عادت لاحقا، وبعد عدة شهور، فى سياق العدوان الثلاثى على مصر بعد قرار الرئيس الراحل جمال عبدالناصر بتأميم قناة السويس فى 26 يوليو 1956، ثم ما لبثت أن جلت عن مصر مجددا ونهائيا فى 23 ديسمبر 1956، أيضا تحت ضغط المقاومة الشعبية المصرية فى منطقة القناة ومدنها.

 

●●●

 

أما اللقطة الثانية فى السجل الوطنى المشرف للراحل الكريم اللواء أحمد رشدى، فهى تتعلق بفترة توليه مسئولية وزارة الداخلية خلال الفترة ما بين عامى 1984 و1986، فقد قام اللواء أحمد رشدى بطفرة فى إعادة تعريف مفهوم الأمن، بحيث تكون مهمته الأصلية الدفاع عن أمن المجتمع، أو ما يسمى بـ«الأمن الجنائى»، وليس التركيز على ما يطلق عليه تعبير «الأمن السياسى»، أى الحفاظ على أمن النظام السياسى القائم فقط دون سواه.

 

وكان من أمثلة ذلك ما حدث فى عهده، وإن كان قصيرا نسبيا من الناحية الزمنية، من جهود حثيثة لمكافحة جريمة الاتجار فى المخدرات والترويج لها فى المجتمع، خاصة فى صفوف الشباب، واتخذ إجراءات جذرية حينذاك بحق كبار تجار المخدرات فى مصر، وهو الأمر الذى دفع البعض آنذاك للقول بأن بعض كبار تجار المخدرات فى مصر كان لهم دور فى تدبير اضطرابات جنود الأمن المركزى فى يناير 1986 بمنطقة الهرم، التى على إثرها تم إقالة اللواء أحمد رشدى من منصبه كوزير للداخلية.

 

وإن كان هذا الأمر لم يثبت بالأدلة القطعية الدلالة حتى الآن، كما أن ذلك لا يعنى بأى حال من الأحوال إنكار الظروف المادية والمعيشية المتردية والبيئة الصعبة المحيطة بعمل مجندى الأمن المركزى فى ذلك الوقت.

 

وخلال نفس الفترة، نجح الوزير الراحل أحمد رشدى فى فرض الانضباط على حالة المرور فى مجمل الشارع المصرى، وذلك من خلال صيغة بسيطة وهى تطبيق القانون على الجميع بدون استثناء، تحقيقا للمبدأ الدستورى والقانونى «كل المواطنين أمام القانون سواء»، وهو ما أدى آنذاك إلى حالة غير مسبوقة من الشعور بسيادة القانون وبسيادة العدل لدى المواطن المصرى العادى، وهو الأمر الذى أنتج بدوره حالة من الرضا لدى هؤلاء المواطنين.

 

●●●

 

وهكذا رحل اللواء أحمد رشدى ـــ رحمه الله ـــ فى هدوء بعد حياة حافلة بالعطاء من أجل الوطن، وقد عرضنا فقط فى هذا المقال للقطتين تبينان عطاءه الوطنى، كما أنه رحل فى صمت هو من شيم الوطنيين الحقيقيين الذين لا يتحدثون عما قدموه إلى وطنهم، وإنما يبقون مصدر فخر لأبنائهم وأحفادهم وذريتهم، بل ولكل أبناء وطنهم.

 

 

 

مفكر وكاتب مصرى

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2024 ShoroukNews. All rights reserved