أفول زمن «التمثيل المشرف»
بشير عبد الفتاح
آخر تحديث:
الإثنين 13 يوليه 2026 - 6:30 م
بتوقيت القاهرة
فى سفره المعنون: «الإمبريالية، الهوية الثقافية وكرة القدم: كيف أنشأت الإمبراطورية البريطانية الرياضة الوطنية المصرية»، الذى ترجمه وليد رشاد، وأصدره المركز القومى للترجمة بالقاهرة عام 2020، يؤرخ المؤرخ الأمريكى كريستوفر فيرارو لعلاقة المصريين الاحترافية بلعبة كرة القدم، بالعام 1897، حينما اتخذ محمد زكى باشا، ناظر المعارف العمومية وقتذاك، قرارًا باعتماد اللعبة رسميًا داخل المدارس المصرية. وهو القرار الذى قوبل بعاصفة من التحفظ والانتقاد؛ إذ توجس كثيرون خيفة من أن تكون اللعبة، إنجليزية المنشأ، أداة بريطانية لترسيخ دعائم الاحتلال الأجنبى، وتكريس التبعية له، وإفساد البلاد والعباد.
بمرور الزمن، توالى ظهور فرق كروية مصرية، حتى تم تشكيل أول منتخب وطنى لكرة القدم عام 1920. ومنذ حصولها على استقلالها غير المكتمل عام 1922، حرصت مصر على المشاركة فى ما تيسر لها من مختلف الفعاليات التنافسية الدولية. حيث يعود الحضور المصرى الرسمى فى المشهد الرياضى العالمى إلى مطلع القرن الماضى، حينما شاركت مصر فى أولمبياد ستوكهولم عام 1912. إذ اقتصرت البعثة المصرية آنذاك على لاعب واحد، وهو المبارز المصرى أحمد حسنين، الذى شارك فى منافسات لعبتى الشيش وسيف المبارزة، قبل أن يغدو لاحقًا رئيسًا للديوان الملكى عام 1940.
تسنى لمصر المشاركة فى أول فعالية تنافسية رياضية دولية، هى أولمبياد أنتويرب، التى استضافتها بلجيكا عام 1920، ليصبح بذلك أول منتخب غير أوروبى يظهر فى منافسات كرة القدم الأولمبية، من بين 14 منتخبًا كانت جميعها أوروبية الهوى والهوية. وفى العام التالى مباشرة، تم إعلان تأسيس الاتحاد المصرى لكرة القدم. وبمجرد الإعلان عن تنظيم أول مونديال لكرة القدم فى التاريخ، بدولة الأوروغواى عام 1930، تمت دعوة مصر للمشاركة، غير أن سوء الأحوال الجوية أعاق الأمر. لكن القدر أبى إلا أن تكون مصر أول دولة عربية وإفريقية تشارك فى النسخة الثانية من ذلك المونديال، التى استضافتها إيطاليا عام 1934. وحينها، دخل المهاجم عبد الرحمن فوزى تاريخ اللعبة من أوسع أبوابه؛ حيث كان أول لاعب مصرى وعربى وإفريقى يهز الشباك فى نهائيات كأس العالم. ففى مواجهة شرسة مع منتخب المجر بالدور الأول، سجل فوزى هدفى المنتخب المصرى فى المباراة، التى انتهت بخسارة الفراعنة بنتيجة 4-2. وتؤكد العديد من الروايات الرياضية، التى عززتها شهادة حارس مرمى منتخب مصر وقتها، مصطفى منصور، أن فوزى سجل هدفًا ثالثًا فى المباراة نفسها، وكاد أن يصبح أول لاعب أفريقى يسجل «هاتريك» فى تاريخ المونديال، إلا أن الحكم ألغاه بداعى التسلل. لكن الجدل ظل يطارد سلامة وموضوعية ذلك القرار التحكيمى لسنوات طوال.
على صعيد الاحتراف الدولى للاعبين المصريين، يذكر كريستوفر فيرارو فى كتابه أن المهاجم حسين حجازى، الملقب بـ«أبو كرة القدم المصرية»، كان أول مصرى عربى إفريقى يحترف فى أوروبا، حينما تعاقد عام 1910 مع نادى «دولويتش هاملت» الإنجليزى.
وفى غضون أشهر معدودات، حقق اللاعب جماهيرية طاغية، ووصفته الصحف اللندنية المحلية بـ«الضوء الساطع». وفى عام 1911، انتقل حجازى إلى نادى فولهام. ونظرًا لموهبته الفذة، تحايل الإنجليز من أجل ضمه إلى منتخبهم الوطنى للاستفادة من مهاراته العالية. لكن عدم تمتعه بالجنسية البريطانية دفعهم إلى إدراجه تحت اسم «الجوالة الإنجليزى». ولعب معهم مباراة دولية ضد منتخب إسبانيا عام 1912، بحضور الملك ألفونسو الثالث عشر، الذى أشاد بأدائه الفائق، حتى أطلق عليه لقب «ملك كرة القدم». بيد أن اندلاع الحرب العالمية الأولى اضطره إلى مغادرة بريطانيا والعودة إلى مصر.
بحضوره المشرف فى النسخة الحالية من مونديال كرة القدم، يكون منتخب مصر قد شارك فى أربع نسخ مونديالية متفرقة، هى: 1934، و1990، و2018، و2026. وتعد نسخة 2026 هى الأطول زمنيًا فى تاريخ اللعبة الأكثر شعبية وانتشارًا على مستوى العالم، إذ تمتد خلال الفترة من 11 يونيو حتى 19 يوليو. كما تعتبر الأضخم، بعد زيادة عدد المشاركين من 32 منتخبًا إلى 48، يلعبون 104 مباريات، ضمن تنظيم مشترك يجمع ثلاث دول، للمرة الأولى، هى الولايات المتحدة وكندا والمكسيك. وبموازاة حضور عشرات الملايين من المشجعين فى الملاعب، تابع زهاء ستة مليارات آخرين المباريات عبر الشاشات عن بُعد. كذلك، تم إدخال تعديلات جديدة على قوانين اللعبة، بهدف تسريع إيقاع اللعب، وتحسين سير المباريات، وتقليل الأوقات المهدرة، وتحسين سلوك اللاعبين والأجهزة الفنية، إلى جانب حسم بعض القرارات الجدلية، والوصول إلى أعلى درجات العدالة التحكيمية، بما يحافظ على نسق المباراة ويمنح الحكام قدرة أكبر على اتخاذ القرار بسرعة ووضوح.
منذ تأسيسه بالعاصمة الفرنسية عام 1904، يرى كثيرون فى الاتحاد الدولى لكرة القدم «فيفا»، الذى يضم الآن 211 عضوًا، بما يفوق عدد أعضاء الجمعية العامة للأمم المتحدة، قوة عالمية ناعمة، قادرة على توحيد الشعوب. وهو ما حاول أن يعكسه الشعار الرسمى للاتحاد: «كرة القدم توحد العالم». غير أن إصرار الدول الكبرى على تسييس الفعاليات الرياضية، واستدراج «فيفا» إلى دائرة الاستقطاب السياسى العالمى، ربما ظل حائلًا دون تحويل ذلك الشعار البراق إلى واقع فعلى. فلطالما استخدمت فعاليات مونديالية لأغراض سياسية، على حساب حياد اللعبة ومغزاها الإنسانى والثقافى. ولطالما حفل تاريخ مونديال كرة القدم بقرارات وأحداث دفعت الكثيرين إلى استحضار نظرية المؤامرة؛ سواء لجهة الانحياز التحكيمى، أو المراهنات، أو تسهيل صعود منتخبات بعينها، أو التواطؤ فى دور المجموعات. وقد شهدت النسخة الحالية أفعالًا مروعة من هذا القبيل؛ كمثل تعمد السلطات الأمريكية منع مشاركين من دخول أراضيها، والتضييق على المنتخب الإيرانى، وتدخل الرئيس الأمريكى للضغط على «فيفا» لإلغاء البطاقة الحمراء، التى تلقاها أحد أبرز اللاعبين بالمنتخب الأمريكى، وصولًا إلى التحايل من أجل إقصاء المنتخب المصرى، وحرمانه من إدراك إنجازه التاريخى الكروى الأول، المتمثل فى الصعود المستحق إلى المربع الذهبى.
رغم الظلم التحكيمى المفجع، الذى تعرض له المنتخب المصرى، بشهادة العالم قاطبة، والذى أعاد فتح ملف التآمر فى المحافل الرياضية؛ يمكن القول إن الأداء المصرى المبهر خلال النسخة المونديالية الحالية، قد منح المصريين هدية لا تقدر بثمن، إذ أطاح بفرية «التمثيل المشرف»، التى طفقت تكبل الإبداع الرياضى المصرى، فى مجال كرة القدم، على مدى عقود خلت.
ففى مسعى منهم لتبرير أى تقصير يفضى إلى تواضع الأداء وقتامة النتائج، دأب القائمون على أمور كرة القدم فى مصرنا العزيزة على التعلق بتلابيب مبدأ «التمثيل المشرف». وهو مصطلح رياضى يُقصد به تفانى لاعب فردى، أو فريق، فى الحصول على فرصة للمشاركة فى المنافسات الرياضية الدولية، ثم التشبث بالأداء البطولى فى مواجهة منافسين أشداء، بحيث يتم تقديم أقصى جهد ممكن، وإظهار صورة إيجابية ومشرفة، حتى وإن غاب الأمل فى تحقيق الفوز، أو حصد الميداليات. ففى يوليو 1894، أصدر البارون بيير دى كوبرتان العدد الأول من النشرة الأوليمبية، وأعاد من خلاله ترويج الشعار الإغريقى الأوليمبى القديم: «الإقدام.. النبل.. القوة». وهو الشعار الذى تطور فيما بعد إلى: «كن مستعدًا، كن سريعًا، كن ساميًا». وأثناء دورة الألعاب الأوليمبية، التى استضافتها لندن عام 1908، تم دمج هكذا شعارات فى شعار أشمل مؤداه: «أهم شىء فى الألعاب الأوليمبية ليس الانتصار، بل مجرد الاشتراك. وأهم ما فى الحياة ليس الفوز، بل النضال بشرف». من هذا المنطلق، ظلت استراتيجية «التمثيل المشرف» المصرية تنصرف إلى التفانى من أجل التأهل للمشاركة فى نهائيات المونديال، دونما اكتراث بطبيعة الأداء فى فعالياتها أو المستوى الذى يبلغه.
لعلنى لا أبالغ اليوم، إذا ما ارتأيت أن الأداء المصرى المبهر والمشرف فى النسخة الثالثة والعشرين من المونديال، قد أوجد حالة إبداعية وطنية، يمكن تسميتها «روح مونديال 2026». تلك التى يتعين استلهامها والتزود بها فى شتى ميادين العمل الوطنى. فلربما تلامس، بروعتها وعظمتها، «روح أكتوبر 1973»، التى عززت اللحمة الوطنية بين المصريين، وأثبتت أن العزيمة الصلبة، وحسن التخطيط والإعداد، والتفانى فى أداء الواجب، تبقى أقرب السبل وأمضاها لعبور التحديات وإدراك الغايات.