صفارة الاستشراق
عيد محمد
آخر تحديث:
الإثنين 13 يوليه 2026 - 6:30 م
بتوقيت القاهرة
ما الذى كشفته مباراة مصر والأرجنتين عن الصور الذهنية التى ما زالت تحكم علاقة الغرب بالشرق؟
لم تكن مباراة مصر والأرجنتين فى كأس العالم مجرد مباراة عابرة فى ذاكرة كثير من المصريين. قد يختلف الناس حول القرارات التحكيمية، وقد يرى بعضهم أن الغضب كان مبالغًا فيه، وقد يرى آخرون أن المنتخب المصرى لم يُعامل بالعدل الكافى. لكن ما بدا لافتًا لم يكن القرار وحده، بل الشعور الذى صاحب المشهد: إحساس قديم بأن هناك من ينظر إلينا من أعلى، لا كخصم يستحق الندية، بل كطرف عليه أن يثبت، فى كل لحظة، أنه يستحق أصلًا أن يكون فى هذا المكان.
هنا لا يصبح السؤال: هل أخطأ الحكم فقط؟ بل: لماذا بدا المشهد مألوفًا إلى هذا الحد؟ ولماذا قرأه كثيرون لا باعتباره واقعة رياضية منفصلة، بل امتدادًا لطريقة أوسع فى النظر إلى العربى، والشرقى، وابن الجنوب العالمى؟
فى كتابه الشهير «الاستشراق»، لم يكن إدوارد سعيد يتحدث عن كتب الرحالة والمستشرقين فقط، بل عن نظام كامل لإنتاج الصورة. فالشرق، فى المخيال الاستشراقى، لم يكن مجرد مكان جغرافى، بل شخصية جاهزة: عاطفية، منفعلة، مبالِغة، أقل عقلانية، تحتاج دائمًا إلى من يضبطها ويرشدها ويهذبها. ومن هنا لم يكن الاستشراق وصفًا بريئًا للشرق، بل طريقة فى النظر إليه، وفى الحكم عليه، وفى تحديد ما يستحقه وما لا يستحقه.
ولعل أخطر ما فى هذه الصور أنها لا تبقى حبيسة الكتب القديمة. إنها تتسرب إلى السينما، والإعلام، والسياسة، والهجرة، وسوق العمل، وحتى الرياضة. فحين يدخل لاعب عربى أو إفريقى إلى ملعب عالمى، فهو لا يدخل بجسده وموهبته فقط، بل يدخل محاطًا بتاريخ طويل من التوقعات المسبقة. صراخه قد يُقرأ بوصفه تمثيلًا، وألمه بوصفه مبالغة، وغضبه بوصفه انفلاتًا، وطموحه بوصفه تجاوزًا لمكانته.
لا أزعم هنا أن حكمًا بعينه كان يحمل نية عنصرية واعية، ولا أملك أن أفتش فى ضميره، برغم وضوح العنصرية فى كامل حضورها بالملعب. لكننى أزعم أن ما أثار غضب كثيرين فى تلك المباراة لم يكن مجرد صفارة، بل لغة كاملة: طريقة نظر، ونبرة جسد، وإحساس بأن اللاعب المصرى مطالب دائمًا بأن يقنع الآخر الغربى بصدق ألمه، وبمشروعية اعتراضه، وبحقه فى الندية.
وهذه تحديدًا هى مأساة الإنسان القادم من الهامش: أنه لا ينافس فقط خصمه فى الملعب، بل ينافس أيضًا الصورة المسبقة عنه فى ذهن العالم المدعى للتحضر. عليه أن يلعب، وأن يهدأ، وأن يثبت أنه لا يمثل، وأن يثبت أنه لا يبالغ، وأن يثبت أنه لا يستحق العقاب المسبق. أما الآخر القادم من المركز، فكثيرًا ما يُمنح أصل البراءة، وأصل الجدارة، وأصل الاحترام.
وقد فهم فرانز فانون هذه المأساة بعمق حين تحدث عن الإنسان المستعمَر الذى يجد نفسه محاصرًا بنظرة الآخر إليه. فالاستعمار لا يسيطر فقط على الأرض، بل يزرع صورة فى الوعى: أنت أقل، أنت تابع، أنت مطالب دائمًا بأن تبرر وجودك. ومع الوقت، قد تصبح الكارثة الأكبر أن يبدأ الضحية نفسه فى تصديق هذه الصورة.
وهنا يصبح الخطر مضاعفًا. فالمشكلة ليست فقط فى أن ينظر الآخر إلى الشرقى بوصفه أقل استحقاقًا، بل فى أن يتسلل هذا الحكم إلى داخلنا نحن. أن نصدق أن وصولنا استثناء، وأن فوزنا مفاجأة، وأن نجاحنا يحتاج دائمًا إلى شهادة خارجية. أن نشعر، فى اللاوعى، أننا إن خسرنا فقد عدنا إلى مكاننا الطبيعى، وإن فزنا فقد أربكنا نواميس العالم.
لهذا لم تكن المباراة، فى معناها الرمزى، مجرد مواجهة بين منتخبين. كانت لحظة كاشفة عن تاريخ طويل من السرديات التى جعلت أبناء الشرق، وخاصة العرب وشعوب شمال إفريقيا، يشعرون أن عليهم دائمًا أن يعملوا أكثر، وأن يبرروا أكثر، وأن يحتملوا أكثر، ثم لا يحصلون إلا على اعتراف أقل.
ولا يتعلق الأمر باللاعبين وحدهم. فكم من مهاجر عربى أو إفريقى شعر، فى جامعة غربية أو مؤسسة عمل، أنه يبدأ من نقطة أدنى؟ وكم من شاب قادم من خلفية فقيرة أو من بلد غير مركزى اكتشف أن كفاءته لا تكفى، وأن عليه أولًا أن يهزم الصورة المسبقة عنه؟ وكم من طبيب أو أستاذ أو باحث أو عامل اضطر أن يثبت، مرة بعد مرة، أنه ليس أقل من زميله، رغم أن شهادته وجهده وعرقه تقول ذلك بوضوح؟
إن الاستشراق لا يموت؛ لأنه لم يعد يلبس زى المستعمر القديم. إنه يغير لغته فقط. يظهر أحيانًا فى تقرير إعلامى، وأحيانًا فى نظرة موظف، وأحيانًا فى تعامل شرطى، وأحيانًا فى ملعب كرة قدم. وقد لا يكون واعيًا دائمًا، لكنه يظل حاضرًا فى طريقة توزيع الاحترام، وفيمن يُصدق، ومن يُشك فيه، وفيمن يُعامل كإنسان كامل، ومن يُعامل كحالة تحتاج إلى ضبط.
لكن الرد على هذه النظرة لا يكون بالصراخ وحده، ولا بتحويل كل هزيمة إلى مؤامرة. الرد الحقيقى يبدأ بأن نرفض داخليًا منطق الدونية نفسه. أن نرفض أن نقيس قيمتنا بعين من لا يرانا كاملين. أن نعرف أن الندية ليست منحة من أحد، وأن الاستحقاق لا ينتظر توقيع المركز، وأن الفوز، حين يأتى، ليس خرقًا للنظام الكونى، بل حق طبيعى لمن تعب واجتهد ووصل.
ربما خسر المنتخب المصرى المباراة، وربما سيبقى الجدل حول التحكيم المفضوح مفتوحًا. لكن المعركة الأعمق ليست مع حكم بعينه، بل مع تاريخ طويل من النظرات التى تريد أن تقنعنا بأننا أقل. وأخطر هزيمة ليست أن نخسر مباراة، بل أن نصدق، ولو للحظة، أننا لا نستحق أن نكسب.
أستاذ مشارك (حاصل على درجة الدكتوراه فى الدراسات الأمريكية من جامعة جورج واشنطن)