مستقبل الوطن... بين الصلاحيات والحوكمة

مدحت نافع
مدحت نافع

آخر تحديث: الإثنين 13 يوليه 2026 - 6:25 م بتوقيت القاهرة

لا تُقاس قوة الدول بعدد المؤسسات التى تنشئها، ولا بحجم الصلاحيات التى تمنحها لها، وإنما بقدرتها على بناء مؤسسات مستقرة وقادرة على الاستمرار والتطور. فالمؤسسة قد تُولد بقرار أو بقانون ناظم، لكنها لا تكتسب شرعيتها وفاعليتها الاقتصادية إلا عندما تستند إلى قواعد واضحة للحوكمة، وتوازن دقيق بين الاستقلالية والمساءلة، وبين المرونة والرقابة، وبين سرعة الإنجاز ووحدة إدارة الدولة لاقتصادها. ولعل هذا هو السبب فى أن السؤال الذى يشغل الفكر الاقتصادى المعاصر لم يعد يتعلق بحجم الدور الذى ينبغى أن تؤديه الدولة فى الاقتصاد، بقدر ما أصبح يتعلق بكيفية بناء المؤسسات التى تمارس هذا الدور، والضمانات التى تكفل استمرار نجاحها بعد تقلّب الزمن والأشخاص والظروف.


وليس بخاف على أهل الاختصاص احتلال الاقتصاد المؤسسى مكانة متقدمة فى الأدبيات الاقتصادية الحديثة، وتتويج أعمال رواده، من «دوجلاس نورث» إلى «دارون عاصم أوغلو» و«سيمون جونسون» و«جيمس روبنسون»، بأرفع الجوائز العلمية. فقد انطلقت هذه المدرسة من ملاحظة بسيطة فى ظاهرها، لكنها عميقة فى آثارها، وهى أن السياسات الاقتصادية المتشابهة قد تحقق نتائج متباينة فى دول مختلفة، لأن ما يصنع الفارق فى النهاية ليس السياسة وحدها، وإنما المؤسسة التى تطبقها. فالمؤسسات الرشيدة قادرة على تصحيح كثير من أخطاء السياسات، بينما تعجز أفضل السياسات عن تحقيق أهدافها إذا وُضعت فى إطار مؤسسى يعانى من غموض الاختصاصات أو ضعف المساءلة أو تضارب الأدوار.


• • •
من هذا المنطلق، فإن أى توجه نحو تقنين أو إعادة تنظيم المؤسسات الاقتصادية الكبرى ينبغى النظر إليه باعتباره تطورًا مؤسسيًا محمودًا فى حد ذاته. فالانتقال من ترتيبات تنفيذية أو ممارسات تشكلت مع الزمن إلى إطار تشريعى واضح يمثل خطوة إلى الأمام، لأنه يعزز اليقين القانونى، ويمنح المستثمرين رؤية أوضح، ويؤسس لاستقرار القواعد المنظمة للعمل المؤسسى بعيدًا عن تغير الإدارات أو الاجتهادات الفردية. وهذه فى جوهرها إحدى أهم غايات الحوكمة، التى لا تقتصر على ضبط الأداء، بل تمتد إلى بناء الثقة، وهى أحد أهم الأصول غير الملموسة التى تقوم عليها الاقتصادات الحديثة.


غير أن إصدار القانون ليس نهاية رحلة الحوكمة، بل بدايتها. فالقوانين لا تُصاغ فقط لتنظيم الواقع القائم، وإنما لرسم ملامح المؤسسة التى ستعمل لعقود مقبلة. ولذلك فإن جودة التشريع لا تُقاس باتساع الصلاحيات التى يمنحها، وإنما بقدرته على تحقيق توازن دقيق بين الكفاءة والرقابة، وبين الاستقلالية والتكامل المؤسسى، بحيث تستطيع المؤسسة أداء دورها بكفاءة دون أن يؤدى ذلك، بمرور الوقت، إلى تداخل الاختصاصات أو تعدد مراكز اتخاذ القرار الاقتصادى.


ولعل هذا ما تؤكده التجارب الدولية فى إدارة الصناديق السيادية والمؤسسات الاستثمارية العامة. فعلى الرغم من اختلاف النماذج من النرويج إلى سنغافورة، ومن أيرلندا إلى نيوزيلندا، فإنها تكاد تتفق على مجموعة من المبادئ الأساسية التى لا يكتمل نجاح أى مؤسسة من دونها. أول هذه المبادئ هو وضوح توزيع الاختصاصات بين المؤسسات المختلفة، بحيث يعرف كل جهاز حدوده ودوره وعلاقته ببقية أجهزة الدولة، فلا تتكرر المهام ولا تتداخل المسئوليات. وثانيها الفصل الواضح بين دور الدولة كمالك للأصول، ودورها كمنظم للأسواق، ودورها كمستثمر يسعى إلى تعظيم العائد، لأن الجمع بين هذه الأدوار داخل إطار واحد قد يخلق تضاربًا فى الأولويات، حتى عندما تكون النوايا حسنة. أما المبدأ الثالث، فهو أن اتساع الصلاحيات ينبغى أن يقابله اتساع مماثل فى متطلبات الإفصاح والرقابة، لأن السلطة والرقابة وجهان لعملة واحدة، ولا تستقيم إحداهما دون الأخرى.


• • •
تقدّم التجربة النرويجية المثال الأبرز على ذلك. فالصندوق السيادى النرويجى، وهو الأكبر عالميًا، لم يكتسب مكانته بسبب حجم أصوله فحسب، وإنما بفضل منظومة حوكمة جعلته أحد أكثر الصناديق شفافية فى العالم، من خلال الإفصاح المنتظم عن الأداء، وخضوعه لرقابة مستقلة، واستناد سياساته إلى توافق مؤسسى واسع يضمن استقرارها عبر الحكومات المتعاقبة. وفى المقابل، اختارت سنغافورة نموذجًا مختلفًا فى الشكل، لكنه متشابه فى الجوهر؛ إذ تتمتع شركة «تيماسيك» باستقلالية تشغيلية واسعة، إلا أن هذه الاستقلالية لا تعنى غياب الرقابة، بل تخضع لضمانات دستورية ومؤسسية دقيقة تحول دون الخلط بين القرار الاستثمارى والقرار السياسى. أما أيرلندا، فقد نجحت فى الجمع بين تحقيق العائد التجارى وخدمة أهداف التنمية الوطنية، دون أن تفقد الوضوح فى خطوط المساءلة أو فى العلاقة بين الصندوق ومؤسسات الدولة.


ولم تأت مبادئ سانتياجو، التى أصبحت المرجعية الدولية لحوكمة الصناديق السيادية، إلا لتترجم هذه الخبرات إلى قواعد عامة تؤكد أن نجاح المؤسسات لا يرتبط بحجم الأصول أو اتساع الصلاحيات، وإنما بوضوح الأهداف، واستقلالية الإدارة، وشفافية الإفصاح، وخضوع الجميع لقواعد معلنة للمساءلة. وقد أظهرت التقييمات الدولية الحديثة أن المؤسسات التى تحافظ على مستويات مرتفعة من الشفافية والحوكمة هى الأكثر قدرة على اجتذاب الشركاء والاستثمارات، والأقدر أيضًا على الصمود فى مواجهة التقلبات الاقتصادية والسياسية.


• • •
من هذا المنظور، تكتسب المناقشات التى صاحبت مشروع قانون إعادة تنظيم جهاز مستقبل مصر أهمية تتجاوز حدود المشروع ذاته، لأنها تفتح الباب أمام نقاش أوسع يتعلق بتصميم المؤسسات الاقتصادية فى الدولة. فالقضية ليست تقييم أداء مؤسسة بعينها، ولا التشكيك فى أهدافها التنموية، وإنما التأكد من أن الإطار التشريعى الذى ينظم عملها يجسد أفضل الممارسات المؤسسية التى أثبتت نجاحها عالميًا. فالتشريع الرشيد لا يُكتب للإدارة الحالية وحدها، وإنما للإدارات القادمة أيضًا، وهو ما يقتضى أن يكون واضحًا فى توزيع الاختصاصات، ومتوازنًا فى توزيع المسئوليات، وقادرًا على منع أى تداخل مستقبلى قد يخلق ازدواجًا فى إدارة بعض الملفات الاقتصادية أو يضعف وضوح العلاقة بين المؤسسات التى تعمل لتحقيق هدف وطنى واحد.


ولا يعنى ذلك، بطبيعة الحال، أن تعدد المؤسسات الاقتصادية يمثل فى حد ذاته مشكلة، فالتخصص قد يكون مصدرًا مهمًا للكفاءة. لكن التجارب الدولية تشير إلى أن نجاح هذا التعدد يرتبط بوجود إطار مؤسسى يحدد بدقة حدود كل مؤسسة، وآليات التنسيق بينها، والجهة التى تحسم أى تداخل قد ينشأ مع تطور اختصاصاتها. فالمشكلة لا تبدأ عندما تنشأ مؤسسة جديدة، وإنما عندما تصبح الحدود بين المؤسسات أقل وضوحًا مع مرور الوقت، وهو ما قد يؤدى، دون قصد، إلى ازدواجية فى بعض وظائف إدارة الاقتصاد أو إلى تضارب فى الأولويات الاستثمارية والتنظيمية.


وينطبق الأمر ذاته على الصلاحيات الاستثنائية التى قد تُمنح لبعض المؤسسات من أجل تسريع الإنجاز وجذب الاستثمار. فمن الطبيعى أن تحتاج المشروعات الكبرى إلى قدر من المرونة يتجاوز الإجراءات التقليدية، لكن هذه المرونة تحقق أهدافها على أفضل وجه عندما تقترن بضمانات مؤسسية تكفل الشفافية والإفصاح والمساءلة. وقد أوضح «أوليفر ويليامسون» ــ الحائز على جائزة نوبل ــ أن الحوكمة ليست عبئًا إداريًا يبطئ النشاط الاقتصادى، وإنما وسيلة لخفض تكاليف المعاملات، والحد من تضارب المصالح، وتحسين كفاءة تخصيص الموارد. ومن ثم، فإن الرقابة الرشيدة لا تُعد نقيضًا للكفاءة، بل أحد أهم شروطها.


إن بناء المؤسسات أصعب كثيرًا من إنشاء المشروعات، لأن المشروعات قد تُنجز فى سنوات، بينما تحتاج المؤسسات إلى عقود حتى ترسخ تقاليدها وتكتسب ثقة المجتمع والأسواق. ولهذا فإن الاستثمار الحقيقى لا يكون فى توسيع الصلاحيات وحدها، وإنما فى بناء منظومة مؤسسية تجعل هذه الصلاحيات أكثر كفاءة وأكثر استدامة. فالدول لا تورث أبناءها المشروعات، وإنما تورثهم المؤسسات التى تدير هذه المشروعات وتحافظ عليها. وإذا كان النمو الاقتصادى يصنعه الاستثمار، فإن التنمية المستدامة تصنعها المؤسسات. ومن هنا، فإن الحوكمة ليست قيدًا على التنمية، بل هى الضمانة الأهم لاستمرارها، وهى الاستثمار الذى لا تنضب عوائده فى مستقبل الوطن.


كاتب ومحلل اقتصادى

 

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved