من السنابسة إلى الدواويس.. أنقذوا الضحية القادمة
محمد بصل
آخر تحديث:
الخميس 13 أغسطس 2026 - 7:45 م
بتوقيت القاهرة
يتفنن البعض فى الانحراف بالنقاش العام بعيدًا عن المحاور الرئيسية لأخطر القضايا. كالذين يصرّون على تجاهل العوامل المشتركة المتكررة بين الحوادث المرورية البشعة خلال الأشهر الأخيرة، وأحدثها واقعة الدواويس بالإسماعيلية التى راح ضحيتها 18 عاملًا باليومية معظمهم من الأطفال، وأعادت إلى الأذهان وقائع نزيف الأسفلت السابقة مثل حادث أطفال كفر السنابسة بالطريق الإقليمى بالمنوفية فى يونيو 2025 وحادث عمال المنزلة بمحور 30 يونيو ببورسعيد فى فبراير 2026.
يتناسى هؤلاء ما يربط تلك الحوادث من أواصر متراكبة من البؤس والعوز، ويتفرّغون للوعظ الطبقى ولوم الفقراء على إنجاب الأطفال وتشغيلهم من نعومة أظافرهم، فى انفصال تام عن الواقع ثقيل الوطأة اقتصاديًا، والتقاليد والأعراف المتوارثة التى تعتبر كلَ طفل يدًا عاملة جديدة ومصدر دخل محتملًا فى المناطق الأكثر فقرًا واحتياجًا.
يتناسون أيضًا كيف تتشابه «اللقطة الأخيرة» للضحايا مع مشهد مرورى معتاد حتى على الطريق الدائرى ومحور 26 يوليو بالقاهرة الكبرى. عمّال أو مزارعون باليومية، شيوخ ورجال ونساء وأطفال يتنقلون من محافظة إلى أخرى متزاحمين فوق رءوس بعضهم فى صندوق عربة نصف أو ربع نقل، ولا عاصمَ لهم إلّا الله من التضافر الكارثى بين ثلاثة عوامل: خطورة الطرق، ورعونة القيادة، وغياب الرقيب.
منذ عقود كانت وسائل الإعلام تنشر صورًا صحفية لهذا المشهد الكلاسيكى من الريف المصرى مصحوبة بتعليقات متباينة. كانت بعض الصحف القومية تنشرها فى مواسم الحصاد على سبيل التندر، بينما تنشرها صحف المعارضة كنموذج يختصر سياسات الإفقار ونقد إهدار حقوق الأطفال لاسيما مع تواضع المقابل المادى الذى يجعل التشغيل أقرب للسخرة. بل إننى استخدمت إحدى تلك الصور فى مجلة حائط بكلية الإعلام بجامعة القاهرة قبل نحو 22 عامًا مع تقرير عن غياب إجراءات السلامة فى الطرق الداخلية للمحافظات!
اليوم تنتشر الصور البائسة ذاتها عبر مواقع التواصل الاجتماعى بمناسبة حادث الدواويس، فى تعبير بليغ عن فشل كل محاولات التنبيه للخطر الداهم. فلم يتغير شىءٌ عدا وسيط النشر، واستمرت مآسى الطرق والعمالة غير المنتظمة.
• • •
لقد صدر قانون العمل الجديد متضمنًا بابًا كاملًا وأحكامًا جديدة تبسط رقابة وزارة العمل على العمالة غير المنتظمة، ويلزمها برسم سياسة متكاملة ومتابعة تشغيلهم وبالأخص عمال الزراعة الموسميين وعمال المقاولات والبحر والمناجم والمحاجر، كما يلزمها من خلال إداراتها بالمحافظات بـ«الحصر والقيد والتصنيف»، بل ونص على 14 اختصاصًا لصندوق إعانات الطوارئ والخدمات الاجتماعية والصحية للعمالة غير المنتظمة (الذى سيصرف التعويضات الحكومية المقررة لأسر ضحايا الدواويس) منها: المساهمة فى توفير سبل الانتقال والإعاشة بالمواقع النائية، ودعم الالتزام باشتراطات السلامة والصحة المهنية، وتمويل عمليات حصر العمالة، وإطلاق الحملات التوعوية للتعريف بحقوق العمالة غير المنتظمة.
ومن حقنا أن نسأل عن نسبة الاستفادة من الحقوق التى أقرها المشرع، ومدى نجاح الصندوق فى تنفيذ اختصاصاته، والعقبات التى تحول دون توسيع مظلة الرقابة والأمان الحقيقية لتُفرضَ شروطٌ صارمة على أصحاب المزارع والمقاولين وأصحاب المزارع السمكية وغيرهم من مشغّلى العمالة غير المنتظمة لضمان حقوقهم فى الانتقال الآمن والأجر العادل؟
• • •
أما عن جروحنا المفتوحة مع الطرق، فكالعادة.. لم يحظَ تقرير للجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء عن الحوادث فى مصر لعام 2025 (الصادر فى يونيو الماضى) باهتمام يُذكر على الرغم من تسجيل 5829 حالة وفاة و84553 إصابة أعلى من 2024 بنسبة 10.8% و 10.7% على الترتيب، ليتجاوز عدد الوفيات خلال السنوات الخمس الأخيرة 32 ألف شخص.
لا يُخبرنا التقرير بالأسباب الأكثر شيوعًا للحوادث التى تزيد تكلفتها البشرية والاقتصادية يومًا بعد يوم، لكنه يحدد أكثر من 150 نقطة عالية الخطورة فى 58 طريقًا على مستوى الجمهورية، وهذا يعنى -وفق التصنيفات العالمية للنقاط السوداء- وقوع الحوادث فيها بشكل متكرر شهريًا أو أسبوعيًا، بل ويصنّف طريقين كاملين كنقاط أكثر خطورة، من البداية للنهاية، هما محور 30 يونيو وامتداده (كتبتُ عنه باستفاضة هنا فى 27 فبراير الماضى)، والدائرى الإقليمى بالمنوفية.
• • •
إن هذه البيانات الكارثية، وقبلها دموع الأمهات وصرخات الآباء، تستحق وقفة جادة وحاسمة للتحليل العلمى لملابسات الحوادث وأسبابها، وتطوير البنية التحتية للطرق وتحسين خدماتها وفرض رقابة قوية على الأرض، والنظر فى سبل التفعيل العاجل والكامل لأحكام قانون العمل لحماية العمالة غير المنتظمة.
ولتكن البداية بتشكيل لجنة تقصى حقائق من مجلسى النواب والشيوخ وصقلها بالخبراء والمتخصصين، يكون هدفها الأول والأخير إنقاذ الضحية القادمة.