استذكارًا لذلك العصر الذهبى العربى الذى يثير حنينًا (٢ من ٣)
إبراهيم العريس
آخر تحديث:
الخميس 13 أغسطس 2026 - 7:45 م
بتوقيت القاهرة
ترى ما هو القاسم المشترك بين أمين الريحانى وأم كلثوم، ومحمد عبدالوهاب وطه حسين ونجيب محفوظ، ومدرسة عين شمس للتحليل النفسى وأحمد لطفى السيد، والأفلام العظيمة التى أنتجها القطاع العام فى مصر الناصرية رغم خسائره المالية الضخمة، والأوبرات الغنائية الرائعة، سواء حملت تواقيع الرحابنة أو محمد عبد الوهاب أو فريد الأطرش، وذكرى باندونغ والحياد الإيجابى.. والثورة الجزائرية والنهضة الفكرية والإبداعية الفلسطينية حاملة تواقيع إميل حبيبى أو محمود درويش أو مى زيادة أو إدوارد سعيد وآل الصايغ؟ القاسم المشترك، وبكل بساطة، هو أنهم ينتمون جميعًا إلى نوع من عصر ذهبى نجد الحنين إليه طاغيًا، ولو عبر وسائل التواصل الاجتماعى، فى أزمنة البؤس التى نعيشها هذه.
لقد تغيرت فى حياتنا العربية خلال ثلث القرن الأخير أمور كثيرة، وبات عيش الهزائم والتعايش معها يطغى على وجودنا وأحاديثنا، غير أن ثمة، رغم كل شىء، ذلك الحنين الذى يبدو لنا اليوم وكأنه خشبة الخلاص الأخيرة، إلى أزمنة تمتد من رفاعة رافع الطهطاوى إلى النهضة الثانية التى ظهرت خاصة بعد هزيمة يونيو، وربما بفضلها، ومن سيد درويش إلى زكى ناصيف وحليم الرومى ورياض السنباطى والأبنودى وحسين السيد ومرسى جميل عزيز وفايزة أحمد.. واللائحة هنا أيضًا تطول، لتضعنا أمام تاريخ من حسن حظنا أنه لا يريد أن يُمحى، بالتحديد لأنه يمثل ما يمكننا اعتباره ذلك العصر الذهبى «الأخير». حتى وإن كنا نريد هنا، ونريد دائمًا، أن نثبت أنه ليس الأخير ولا يمكنه أن يكون كذلك بأى حال من الأحوال.
صحيح أن استعراضنا لتاريخ حديث من عمرنا يمتد أكثر من قرن من الزمن سيرينا بأن أفرادًا هم أولًا وأخيرًا الذين صنعوا هذا العصر. غير أن ما لا بد من التوقف عنده يتلخص، مع ذلك، فى سؤال لا بد من طرحه: صحيح أن صناع تلك المراحل المتعاقبة، والتى تبدو اليوم أمام انسداد فظيع ولأسباب متنوعة يمكن التوقف عندها عبر مجلدات كاملة، كانوا أفرادًا استنفروا مواهبهم ومعرفتهم.
وانفتاحهم على العالم وثقافاته لينتجوا إبداعات وأفكارًا ومعرفة تبدو اليوم فريدة فى تاريخنا الممتد لأكثر من ألفية ونصف ألفية من السنين، وتصل بين مراحل متفرقة من ذلك التاريخ عرفها العصر العباسى عبر انفتاح على الامتداد الآسيوى، والعصر الأندلسى عبر انفتاح على العالم الأوروبى، ثم العصور الأكثر حداثة، بدءًا من الجانب العلمى-الفكرى من الحملة الفرنسية على مصر وصولًا إلى نهضة نهاية القرن التاسع عشر التى تكاد تكون علمانية، وصولًا إلى نهضة ما بعد هزيمة «حزيران». صحيح أن تلك العصور لم تعش ترابطًا وتوالدًا حقيقيًا فيما بينها ومن بعضها البعض، لكنها، فى البعد الثقافى، كانت هى الخلفية التى صنعت ما بات يعرف، فى تجليه الأخير، بالعصر الذهبى الذى نحن إليه اليوم، ويكاد يشكل خشبة خلاصنا وحصننا الأخير.
كل هذا صحيح، من وجهة نظرنا على الأقل، وصحيح أكثر من ذلك أنه من صنع أولئك الأفراد الكبار الذين عرفهم تاريخنا. ولكن يبقى السؤال قائمًا: إذا كانت إبداعاتهم فردية، كيف حدث أنهم تجمعوا فى حقبة محددة دون أن يبدو أن تلك البدايات «الذهبية» قد ولدت من بعضها بعضًا؟ الحقيقة أنه إذا كان الموضوع بات يحتاج إلى دراسات سوسيولوجية وتاريخية وجمالية، فلا شك أن فى الإمكان الانطلاق فى نوع من التفسير من منطلق ذى كلمتين: الحماس والبوصلة.
فالحال أن هناك مراحل تاريخية تدفع المبدع، والمبدع هنا بالمعنى العريض للكلمة. المعنى الذى يشمل موسيقيًا ومسرحيًا وشاعرًا وروائيًا، لكن أيضًا رجل سياسة واعيًا خلاقًا أو مؤرخًا أو فيلسوفًا أو حتى وزيرًا للثقافة صاحب فهم وقرار، وقائدًا عسكريًا، وربما مسئولًا عن دائرة آثار، بل ربما حتى راقصة تمارس فنها بحب وإخلاص وأستاذًا جامعيًا، ولمَ ليس رئيسًا واعيًا للبلاد، تدفعهم إلى التمسك بالبوصلة التى يضعها الزمن فى دربهم، مستلهمين تلك الحماسة الجماعية التى قد تنتج أحيانًا عن دوافع لا تدين لهم بوجودها، لكنهم يعرفون كيف يلتقطونها ويكيفونها مع إنتاجهم دون أن يخضعوه لها بالضرورة.
إننا نعرف أن ثورة ١٩١٩ فى مصر، كما مجزرة سطيف فى الجزائر، وفشل الدولة العربية فى دمشق العشرينيات، وثلاثية نجيب محفوظ وكتب طه حسين و«ملوك العرب» للريحانى وترجمة نيتشه إلى العربية، وصولًا إلى اقتراح الرئيس عبدالناصر على محمد عبدالوهاب وأم كلثوم التعاون فى أغنية ستكون «أنت عمرى»، وأفلام يوسف شاهين وأندلسيات الرحابنة وفيروز ورواية «نجمة»
لكاتب ياسين وشعر بدر شاكر السياب واللائحة تطول، كل هذا أتى إبداعًا فرديًا، إنما يخضع لمنطق الحماس والبوصلة. المنطق الذى يمكن مشاهدته دائمًا فى خلفية حنيننا اليوم إلى العصر الذهبى، ولكن كمحرك لأفراد لا شك أنهم يملكون من المواهب ما يكفيهم، ليس كى يذرفوا الدمع على ما فات، بل كى يستمدوا جديدًا رائعًا مما يحنون إليه، محولينه إلى معرفة مثمرة، فى انطلاقات جديدة لا تهدأ نحو عصور ذهبية جديدة.
ولكن لكى نفعل بها ماذا؟ وضمن أية شروط؟
الحقيقة أن محاولة الإجابة عن هذا التساؤل، ومهما ستكون حصتها من التواضع، يمكنها أن تشكل استعادة، إن لم يكن للعصر الذهبى الذى هو كالسعادة، لا يمكننا أن ندرك أننا نمر به إلا بعدما ينقضى، دون أن نلتقيه فى لحظته الآنية. وهذا الواقع هو ما يمكننا، على أى حال، أن نعود إليه فى القسم الثالث والأخير من هذه «الثلاثية» التى كرسناها، ولو بقدر كبير من الإيجاز، لذلك الحنين الذى لا نتوقف عند استشعاره يوميًا لذلك العصر الذهبى، الذى لا يكف عن إغرائنا إذ يطل علينا فى كل لحظة، وإن عبر وسائل تواصل اجتماعى تذكرنا بها وبحظاته المضيئة، لتقول لنا إنه لا يزال ممكنًا، بل هو ممكن بالضرورة، شرط أن نعرف كيف نلتقطه.