المهرجانات تفتح الطريق إلى الأوسكار.. هل تغيرت قواعد اللعبة؟
خالد محمود
آخر تحديث:
الخميس 13 أغسطس 2026 - 7:50 م
بتوقيت القاهرة
لم تعد المهرجانات السينمائية الكبرى مجرد محطات للاحتفاء بالفيلم أو منصات تمنح المخرجين والنجوم لحظة من الضوء والاحتفال. شيئًا فشيئًا، تتحول هذه المهرجانات إلى جزء أساسى من صناعة القرار السينمائى العالمى، وإلى بوابة يمكن أن تختصر على بعض الأفلام الطريق نحو أكبر جائزة سينمائية فى العالم: «الأوسكار».
ومع التعديل الجديد فى قواعد المنافسة على جائزة الأوسكار، تكتسب هذه الحقيقة أهمية أكبر، بعدما أصبح الفوز بجائزة كبرى فى مهرجان دولى مصنف قادرًا، فى حالات محددة، على منح الفيلم غير الناطق بالإنجليزية تأهلًا تلقائيًا لمسار المنافسة، بدلًا من المرور كاملًا بالطريق التقليدى الذى يبدأ باختيار الفيلم من جانب اللجنة الوطنية فى بلده.
واللافت أن هذه القاعدة الجديدة لا تمنح المهرجان مجرد قيمة معنوية، وإنما تضيف إلى جائزته تأثيرًا مباشرًا على مستقبل الفيلم فى سباق الأوسكار. وهو ما يجعل السعفة الذهبية فى «كان»، والدب الذهبى فى «برلين»، والجوائز الكبرى فى المهرجانات المؤهلة، أكثر من مجرد تتويج نقدى أو فنى، إنها قد تصبح بطاقة عبور مبكرة إلى هوليوود.
وقد ظهرت نتائج هذا المسار الجديد بالفعل مع ثلاثة أفلام غير ناطقة بالإنجليزية، حققت إنجازات كبرى فى مهرجانات دولية.
الفيلم الأول «فيورد» «Fjord»، الذى تأهل تلقائيًا لتمثيل رومانيا والنرويج بعد فوزه بالسعفة الذهبية فى مهرجان كان السينمائى، وهى الجائزة التى تظل واحدة من أهم العلامات التى يمكن أن يحصل عليها فيلم فى مسيرته الدولية.
أما الفيلم الثانى «الخطابات الصفراء» «Yellow Letters»، فقد حصل على التأهل بعد فوزه بالدب الذهبى فى مهرجان برلين السينمائى، ليمثل تركيا فى سباق الأوسكار.
بينما جاء الفيلم الثالث «العار والمال» «Shame and Money»، الذى حجز موقعه فى المنافسة بعد حصوله على الجائزة الكبرى للجنة التحكيم فى مسابقة السينما العالمية بمهرجان ساندانس، ممثلًا لألبانيا.
وراء هذه الأفلام الثلاثة قصة أكبر من مجرد تغيير فى اللوائح. فالأكاديمية تبدو وكأنها تعترف بالدور الذى تلعبه المهرجانات الكبرى فى اكتشاف السينما الجديدة، ومنحها شرعية فنية مبكرة. فالفيلم الذى ينجح فى منافسة عشرات الأفلام فى مهرجان دولى كبير، ويقنع لجنة تحكيم تضم أسماء سينمائية بارزة، يكون قد اجتاز بالفعل اختبارًا فنيًا ونقديًا بالغ الصعوبة.
لكن السؤال الأهم بالنسبة إلى السينما العربية والمصرية هو: ماذا يعنى ذلك بالنسبة إلينا؟
حتى الآن، تستمر اللجان الوطنية المعتمدة فى دول العالم، ومن بينها مصر والسعودية والمغرب وتونس والجزائر وغيرها، فى الطريق التقليدى لاختيار الفيلم الذى يمثل كل دولة فى سباق الأوسكار. وتقوم هذه اللجان بفحص الأفلام التى استوفت شروط العرض التجارى، قبل الإعلان عن اختياراتها تباعًا خلال شهرى أغسطس وسبتمبر.
وهنا تبرز أهمية المسار الجديد.. فالمهرجانات لم تعد فقط مكانًا تسعى إليه الأفلام بحثًا عن التقدير بل أصبحت جزءًا من استراتيجية الوصول إلى الجوائز الكبرى. وقد يدفع ذلك صناع الأفلام إلى التفكير منذ مرحلة الإنتاج فى المهرجانات التى يمكن أن تكون المحطة الأولى للفيلم، وفى كيفية بناء مساره الدولى قبل الوصول إلى الجمهور التجارى.
لكن هناك جانبًا آخر لا ينبغى تجاهله.. فالأوسكار، رغم أهميته، يجب ألا يتحول إلى الهدف الوحيد لصناعة الفيلم. السينما لا تصنع فقط من أجل الحصول على تمثال ذهبى، كما أن الفوز بجائزة فى مهرجان كبير لا يعنى بالضرورة أن الفيلم هو الأفضل جماهيريًا أو الأكثر تأثيرًا على المدى الطويل.
ومع ذلك، فإن القاعدة الجديدة تؤكد حقيقة بات من الصعب تجاهلها: المهرجان أصبح جزءًا من الطريق إلى الأوسكار، وربما أصبح فى بعض الحالات الطريق الأقصر.
والسؤال الذى يفرض نفسه الآن: هل ستدفع هذه القواعد الجديدة الدول العربية إلى إعادة النظر فى استراتيجياتها تجاه المهرجانات الدولية؟ وهل يصبح حضور الأفلام العربية فى كان وبرلين وفينيسيا وساندانس جزءًا من معركة الأوسكار، وليس مجرد طموح للحصول على جائزة مهرجانية؟
ربما تكون الإجابة فى الأشهر المقبلة، عندما تبدأ اللجان الوطنية فى إعلان اختياراتها. عندها سنعرف كيف ستتفاعل السينما العربية مع الخريطة الجديدة، وهل تستطيع أفلامنا أن تستفيد من هذه النافذة التى فتحتها المهرجانات على الطريق إلى الأوسكار.
فى النهاية، تتغير قواعد اللعبة، لكن يبقى السؤال الأهم كما كان دائمًا: هل تستطيع السينما أن تقدم فيلمًا يستحق أن يصل إلى العالم، قبل أن تسأل كيف يصل إلى الأوسكار؟