بين استمرار الفوضى وعودة قانون الطوارئ.. هل من بديل ثالث؟

زياد بهاء الدين
زياد بهاء الدين

آخر تحديث: الثلاثاء 13 سبتمبر 2011 - 11:35 ص بتوقيت القاهرة

نحن فى مأزق حقيقى والخروج منه لن يكون سهلا. مظاهرات التحرير السلمية تحولت الجمعة الماضية إلى فوضى عارمة سقط فيها القتلى والجرحى وجعلت البلد يبدو على شفا مرحلة جديدة من التدهور الأمنى. وسواء كان وراء ذلك تدخلات مغرضة أو أياد خفية أم لم يكن، فإن ما شهدته مصر فى الأسابيع الأخيرة من تقاعس للحكومة فى التعامل مع كل أشكال الفوضى بل وتشجيعها فى بضع الحالات قد أوجد المناخ الذى يؤدى لما حدث يوم الجمعة، ويجعل التدخل لإشعال الموقف ممكنا. وفى جميع الأحوال، فمع نهاية هذا اليوم العصيب، كان متوقعا أن تعلن الحكومة إعادة تفعيل قانون الطوارئ باعتبار ذلك هو البديل والسبيل المنطقى للخروج من المأزق.

 

ولكن فى تقديرى أن تفعيل قانون الطوارئ لن يكون هو الحل، كما أن اللجوء لمحاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية لم يكن حلا. الجماهير ربما يصل بها الضجر والقلق والخوف من المستقبل إلى الحد الذى يجعلها ترحب بكل ما يمكن أن يأتى ببعض النظام والهدوء النسبى، ولكن هذا لا يعنى أن هذه حلول حقيقية لأنها لا تخاطب أصل المشكلة، وهى أن المرحلة الانتقالية التى تمر بها البلاد قد أصابها منذ البداية خلل جسيم.

 

الوجه الأول من الخلل الذى أصاب المرحلة الانتقالية هو ضعف الحكومة والجهاز الإدارى للدولة. وسواء كان ذلك بسبب عدم امتلاك الحكومة لجميع صلاحيات الحكم، أم للانفلات الأمنى، أم لعدم وضوح دور الحكومة أصلا فى المرحلة الانتقالية، فإن النتيجة واحدة وهى أننا أمام وضع مخيف من التداعى فى حكم البلاد، ومن النزيف المستمر فى هيبة ومكانة الدولة والسعى الدائم لكسب ود ورضا الجماهير على حساب ما يحقق الصالح العام. وهكذا رأينا صمتا مخيفا أمام الاعتداء على القضاة والمحاكم، والتعديات غير المسبوقة على الأراضى الزراعية، وقطع الطرق، وسمعنا وعودا بعلاوات ومكافآت وتعيينات غير مدروسة وغير قابلة للتحقيق، بل وصل الأمر إلى زيادات غير مسبوقة فى أعداد الناجحين فى الامتحانات.

 

 أما أعجب تجليات الدولة فى محاولتها لإرضاء الجميع وكسب الشعبية فى كل منعطف فكان موقفها من السفارة الإسرائيلية، إذ احتفلت الحكومة بنزع علم إسرائيل كما لو كان تحريرا للوطن، ثم كرمت من أنزله، ثم أقامت جدارا غير مفهوم الغرض، ثم تركت الناس تحطمه لساعات طويلة، ثم ضربتهم وإحالتهم للنيابة بعد قيامهم بذلك، ثم أعلنت عن عدم بناء جدار جديد. ووصل الأمر فى محاولة كسب الرأى العام إلى أن نقرأ يوم الجمعة الماضى عن وزير يتسلل من حرسه الخاص لينضم إلى المظاهرة التى تطالب بإسقاط الحكومة التى ينتمى إليها. هناك خلل بالغ فى كل هذا. مفهوم الحكومة الانتقالية أنها تدير شئون البلاد لحين إجراء الانتخابات البرلمانية القادمة، وبالتالى لا تتخذ قرارات طويلة المدى أو ذات آثار بعيدة.

 

ولكن لم يقل أحد إن الحكومة الانتقالية هى التى لا تغضب أحدا وتسعى لإرضاء الجميع، سواء كانوا أصحاب حق أم مغتصبين للحقوق، وأن الوزراء والمسئولين يسعون بشكل منفرد لكسب ود الناس ولو بالمخالفة لسياسات الدولة التى يمثلونها.

 

الخلل الثانى الذى نعانى منه هو أن جميع الأطراف فى الساحة السياسية قد فضلت التجاهل التام للمشاكل الحقيقية على حساب ما يحقق رصيدا شعبيا وفوريا، وأن حالة من الخوف والهلع قد انتابت الحوار السياسى فى مصر. لا أحد يجرؤ على الحديث عن سوء الأحوال الاقتصادية التى تمر بها البلاد وعن المخاطر القادمة لو استمر الوضع على ما هو عليه لأن مثل هذا الحديث يعرض صاحبه لتهمة العداء للثورة. ولا أحد يريد أن يعترف بأن القانون والعدالة يمران بمحنة حقيقية برغم ما نشاهده من اعتداء على القضاة، واقتحام للسجون، وتهريب لمحكوم عليهم فى جرائم قتل واغتصاب، لأن الحديث عن العدالة لا يحظى بشعبية هذه الأيام. ولا أحد يجرؤ على أن يقول إن اقتحام السفارة الإسرائيلية قد أضر بالمصالح المصرية أكثر مما أصاب المصالح الإسرائيلية (بل ساعد فى دعمها وجعلها الطرف المظلوم والمعتدى عليه) لأنه لا أحد يريد أن يفسد نشوة الانتصار فى معركة تحطيم الجدار، مع أنه جدار الجيزة لا جدار غزة.

 

 الذين صارحوا الناس بأن الوضع الاقتصادى تعيس، وأن الحالة الأمنية منفلتة، وأن القانون فى محنة، وأن الأهم من حرق العلم هو تعديل اتفاقات تصدير الغاز، وقعوا فريسة لإعلام لا يرحم، واتهامات طالت ذمتهم، فتعلموا الدرس وصمتوا. كيف تكون ثورة من أجل الحرية ويأتى معها هذا القدر من الخوف والحذر فى الكلام؟

أما الخلل الثالث الذى وقعنا فيه فيرجع للأحزاب والتيارات السياسية القديمة والجديدة معا، والتى غرقت لأشهر طويلة فى مناقشات لا تنتهى ولم تأت بأى نتيجة. الناس عانت من نقص الوقود والخبز والسماد، ومن انقطاع الكهرباء، ومن اضطراب المدارس، ومن الانفلات الأمنى وسيطرة البلطجية، ومن انتشار السلاح والمخدرات، ومن فتنة طائفية تطل برأسها القبيح كلما سنحت الفرصة، بينما نحن غارقون فى جدل وراء جدل. الدستور أولا أم ثانيا، الانتخابات بالقائمة أم بالفرد، الدولة مدنية أم دينية، المبادئ فوق الدستور أم حاكمة للدستور أم لا علاقة لها بالدستور. الثورة تحولت إلى حالة من الكلام والنقاش على كل ما لا يحقق أية نتيجة أو تقدم. والصراعات والتحالفات والمؤامرات مستعرة بين الأحزاب فى غرف مغلقة بينما الانتخابات على الأبواب. أما الناس فقد ضاقت بالجدل السياسى فعادت تبحث عن النائب الذى يقدم الخدمات ويأتى بالوظائف الحكومية ويتوسط لدى مأمور قسم الشرطة لأن الأحزاب لا تخاطب سوى النخبة ولا تطرح حلولا لمشاكلهم.

 

فى ظل هذه الظروف، لا عجب أن يضج الناس من الفوضى وأن يتوقوا لقدر من الاستقرار. ولكن المؤسف أن يأتى البديل الوحيد فى شكل عودة العمل بقانون الطوارئ، وأن يؤدى انفلات الأمن، وضعف الحكومة، وغياب العمل الحزبى، إلى رغبة الناس فى الخروج من هذا الوضع بأى شكل، ولو على حساب الحريات التى انتزعتها الثورة. فهل فات الوقت ولم يعد أمامنا سوى الاختيار بين الفوضى وبين قانون الطوارئ؟ لا أظن ذلك.

 

 ولكن البديل الثالث للخروج من المأزق الحالى هو الأكثر صعوبة لأنه يتطلب اتفاقا بين الأحزاب والقوى السياسية والحكومة والمجلس العسكرى على أولويات قليلة ولكن ضرورية: طرح مشاكل الناس لنقاش حقيقى وصريح دون الخوف من التخوين والتشكيك والاتهامات المتبادلة، والوقوف بكل قوة من أجل دعم مؤسسات القانون والعدالة والتصدى للبلطجة بكل أشكالها، والتوصل لحل سياسى لمشكلة الانفلات الأمنى، وتعديل قانون الانتخابات لإعطاء الوطن فرصة حقيقية لتحقيق الديمقراطية، وأخيرا عودة الأحزاب للتفاعل مع الناس وليس مع بعضها البعض. بغير ذلك أخشى أن يضطر المجتمع للجوء إلى الاختيار الوحيد المتاح من أجل الخروج من الفوضى، وهو إعادة أدوات الاستبداد واحدة تلو الأخرى، ولكن هذه المرة بناء على طلب الجماهير. 

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2024 ShoroukNews. All rights reserved