بين الغضب والحماقة

أحمد الصاوى
أحمد الصاوى

آخر تحديث: الخميس 13 سبتمبر 2012 - 8:10 ص بتوقيت القاهرة

فى شتاء عام 2009 كنت فى اسطنبول فى وقت تصاعد فيه الاستهلاك العربى للدراما التركية، وفى مقر التليفزيون التركى سألت عدداً من الإعلاميين الاتراك عن «مهند ونور»، فلم يتعرف عليهما سوى من يجيدون العربية منهم، وقالوا انهم سمعوا عنهما لأول مرة من أصدقائهم العرب أو من خلال مطالعتهم للصحف العربية، كان ذلك فى وقت لو سار فيه مهند أو نور فى شوارع القاهرة لتزاحم عليه أو عليها الناس اكثر مما يتزاحمون فى الموالد.

 

وقبل سبتمبر ٢٠١٠ كان القس الأمريكى تيرى جونز يخدم فى كنيسة صغيرة ببلدة نائية، وحتى عامين مضيا لم يزد اجمالى من يترددون على كنيسته على ٥٠ شخصا على افضل تقدير، وما كان يمكن أن تجد لاسمه نتيجة واحدة على محرك البحث، لكن الرجل أطلق دعوة لحرق المصحف لم يسمع عنها جيرانه إلا بعد أن شاهدوا صداها فى شاشات الأخبار عبر مظاهرات العرب والمسلمين ضده فى أغلب الأقطار الاسلامية، وصار اسمه مصحوبا بآلاف النتائج على محركات البحث من بعدها.

 

وفى واقعة الفيلم المسىء للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، يثير الدهشة أنك تجد حتى لحظة كتابة هذه السطور، أغلب مظاهر الاحتجاج فى مصر وبعض التحركات التالية لذلك فى ليبيا واليمن، هل المسلمون العرب اكثر حباً وغيرة على الرسول من غيرهم من المسلمين فى العالم، ام أن للأمر بعدا سياسيا يمنح الغضب خصوصية مصرية مع مشاركة بعض أقباط المهجر فى صناعة الفيلم. والخصومة السياسية بين هؤلاء المتطرفين وكل أطياف المجتمع المصرى بما فيهم المسيحيون؟

 

لماذا لم تقتحم السفارات الأمريكية فى إسلام آباد ونيودلهى وأنقرة، السؤال الأهم: لماذا لم يغضب ملايين المسلمين الأمريكيين؟ وهذا السؤال تحديدا نقلته للصديق اصف على، وهو ناشط امريكى مسلم من اصل باكستانى، يعمل فى مجال الدفاع عن حقوق المسلمين فى أمريكا، فكانت المفاجأة فى رده، أنهم فى نيويورك عرفوا بأمر الفيلم من أخبار الاحتجاجات فى القاهرة، لكنه أضاف أن المسلمين الأمريكيين يدركون ماهية المنظومة القانونية هناك وحمايتها لحرية التعبير أيا كانت حتى إن كنائس وجمعيات مسيحية عجزت كذلك عن منع افلام تسىء للمسيح عليه السلام، الأزمة كما يقول ناصف أن الغضب فى الشوارع المصرية ونقله عبر الاخبار للمواطن الأمريكى يمثل دعاية مجانية تزيد من انتشار الفيلم الذى كان سيفقد اكثر من 98% من عدد مشاهديه لولا هذا الغضب غير العاقل.

 

لكن ناصف يشير الى وجه إيجابى فى المسألة، فالفيلم حتى بإساءاته سيدفع نصف مشاهديه على الاقل الى البحث عن مزيد من المعلومات حول الاسلام ورسوله وهذه دراسة علمية مجربة فى أزمات أبراج سبتمبر، ومسجد جراندو، وحرق المصحف، وهنا يكون دور المسلمين الحقيقيين فى استثمار ما تولده هذه الأزمات من شغف بالمعرفة لتوفير المعلومات الصحيحة والرد على التساؤلات المشروعة.

 

الفارق جد كبير بين الغضب والحماقة، لأن الغضب يمكن استثماره لتحويل آثار أى أزمة الى فوائد، أما الحماقة فلا أثر لها سوى أن يستمر المزيد من التافهين والمغمورين فى «أكل العيش على قفانا» والانتقال من كهوف العدم الى آفاق الشهرة والتأثير.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2023 ShoroukNews. All rights reserved