الاعتراف الدولى بطالبان

بشير عبد الفتاح
بشير عبد الفتاح

آخر تحديث: الإثنين 13 سبتمبر 2021 - 9:45 م بتوقيت القاهرة

وسط إحجام دولى عن الاعتراف بها، كسلطة حاكمة لأفغانستان، أبدت عديد دول استعدادا للتعاطى مع حركة طالبان، انطلاقا من دواعى مصلحية بحتة. خصوصا بعدما جنحت قيادات الحركة، عقب بسط هيمنتها على العاصمة منتصف الشهر الفائت، ثم تشكيلها حكومة مؤقتة، لإرسال إشارات تطمينية تشى بانتهاجها نهجا مغايرا لذلك الذى اتبعته إبان سنى حكمها الأولى ( 1996 ــ2001). فبموازاة تعاونها فى إجلاء القوات الأطلسية والرعايا الأجانب والمتعاونين المحليين عبر مطار كابول، انطوى الخطاب الطالبانى على تقدير للدولة الوطنية، والحريات وحقوق المرأة والأقليات، فضلا عن احترام سيادة الدول الأخرى، والتعهد بعدم السماح باستخدام الأراضى الأفغانية لإيذائها.
لئن كانت مقاربة المجتمع الدولى حيال طالبان اليوم، أشبه بتلك التى تبناها إزاء تجربتها الأولى فى الحكم، حينما لم يعترف بها رسميا سوى ثلاث دول فقط، هى باكستان والسعودية والإمارات، قبل أن تقدم الأخيرتان على سحب اعترافهما لاحقا، فإن قبوله التعامل مع الحركة، بغير اعتراف رسمى، لن يأتى صدفة. فثمة متطلبات يتعين عليها تلبيتها قبل فتح أقنية الاتصال معها. فبعدما أوفدت قائما بالأعمال لدى أفغانستان يقيم فى قطر، لم ترهن بريطانيا اعترافها بطالبان، أو حتى التنسيق الاضطرارى معها، باكتمال فرض سلطتها على عموم الولايات الأفغانية، أو إعلان حكومتها المنقوصة، وإنما بمدى التزامها بحزمة الشروط التى توافقت بشأنها الجماعة الدولية.
أما واشنطن، التى لم تحضها «استراتيجيةمكافحة التمرد»، بما تضمنته من عمليتى «الحرية الدائمة»، «وحارس الحرية»، لدحر طالبان ومنعها من إعادة بناء قوتها، على إدراج الحركة على لائحة المنظمات الإرهابية، فيما نسجت معها تفاهمات تمخضت عن اتفاق الدوحة فى فبراير 2020، ثم عن تنسيق أمنى واستخباراتى لتسهيل وتأمين عمليات الإجلاء الأضخم تاريخيا، عقب سقوط كابول، فقد ارتضت التريث فى الاعتراف بطالبان. فإلى جانب استيائها من الحكومة الطالبانية، وضيقها بإجراءات قانونية وحسابات سياسية معقدة لتمرير الاعتراف بها، اضطرت إدارة بايدن، تحت وطأة المواءمات الانتخابية الداخلية، إلى امتصاص غضب الأمريكيين الناقمين على سياستها المتخبطة حيال أفغانستان، وتقاربها المثير للجدل مع طالبان، استنقاذا لأغلبية الديمقراطيين البرلمانية المهددة، خلال معركة التجديد النصفى للكونجرس العام المقبل.
وما كادت الحركة تفصح عن حكومتها «غير الكاملة» و«غير الشاملة»، والخالية من التمثيل النسائى، والمقتصرة على طيف واحد، تستأثر بالهيمنة عليه، كما تضم متشددين من قدامى المجاهدين، والمعتقلين السابقين بسجن جوانتانامو، والمدرجة أسماؤهم ضمن لائحة العقوبات الأممية، فيما رصدت واشنطن مكافآت للمساعدة فى توقيفهم أو القضاء عليهم، ثم تأكيد الملا هبة الله زاده، التزام تلك الحكومة تطبيق الشريعة، حتى شاح الأمريكيون والأوروبيون بوجوههم عنها. وخلال اجتماع افتراضى بالقاعدة الجوية الأمريكية فى رامشتاين الألمانية، شارك فيه وزراء خارجية باكستان وعشرين دولة من حلفاء واشنطن الأوروبيين، أكد وزير الخارجية الأمريكى بلينكن ضرورة اكتساب الحركة شرعيتها من المجتمع الدولى، كما اتفق مع الشركاء على تكثيف الضغوط الدولية على طالبان حتى تفى بوعودها، وأن يتم هندسة استراتيجية التعامل مع حكومتها الجديدة، بناءً على أفعالها، لا خطابها.
يتخوف مراقبون من أن يفضى استبعاد أفغانستان الطالبانية من الاندماج فى النظام الاقتصادى العالمى، واستمرار تجميد أرصدتها الخارجية، وحرمانها من تلقى المساعدات الدولية، التى تشكل 80% من ميزانيتها، إلى تغذية النزعات العدوانية لجناحها المتشدد، كيما يمعن فى التطرف، ومد جسور التواصل مع الحركات الراديكالية. فكلما كانت حكومة طالبان أكثر هشاشة وأقل فاعلية، كلما تفاقمت احتمالات تحول أفغانستان إلى ملاذ آمن لأطياف من التنظيمات الإرهابية، التى لا طاقة للحركة بمجابهتها، من دون دعم دولى. فرغم مواصلة المنظمات الإغاثية الاضطلاع بمهامها، واعتزامها عدم تقليص وجودها أو أنشطتها بأفغانستان، تخشى الأمم المتحدة من أن يسفر عدم الاعتراف بطالبان، مع المضى قدما فى عزلها، عن التعجيل بانزلاق البلاد فى براثن الانهيار الاقتصادى الوشيك، الذى يهدد حياة الملايين من مواطنيها، وينذر بمضاعفة المأساة الإنسانية التى تحاصرهم. الأمر الذى دفع الأمين العام للمنظمة لمناشدة المجتمع الدولى محاورة طالبان وتمكينها من الوصول، غير المقيد، إلى احتياطيات البلاد النقدية لدى صندوق النقد الدولى، وتخويلها الاندماج فى النظام المالى العالمى، مع تيسير حصولها على الدعم والمساعدات، بغير معوقات.
فى الوقت الذى يكابد الغرب معضلة استمرار التدفقات النقدية والمساعدات إلى أفغانستان، دون أن يتسنى لطالبان، التى لا تزال تصنفها دول شتى جماعة إرهابية، الاستفادة منها، تبقى الجماعة الدولية مُرغمة على التعامل مع الحركة، باعتبارها سلطة أمر واقع. فعلاوة على تشكيلها حكومة لتصريف الأعمال، لا يزال داخل أفغانستان مئات من الأمريكيين والرعايا الغربيين، كما آلاف الأفغان المتعاونين معهم، والذين تستعصى حمايتهم ورعايتهم إلى حين الإجلاء الآمن، دونما تنسيق مع طالبان، خصوصا مع محدودية الخيارات وتضاؤل الآمال فى تبلور نظام حكم حداثى بديل، يمكن الرهان عليه.
يظل تخوف التحالف الغربى من تغلغل أطراف كروسيا والصين وإيران وباكستان وتركيا، لملء الفراغ الاستراتيجى الناحم عن الانسحاب الأطلسى من أفغانستان، عامل كبح لجماح المساعى الهادفة لعزل طالبان فى قابل الأيام. فما إن أشاد المتحدث باسم الحركة فى مقابلة مع صحيفة «لا ريبابليكا» الإيطالية، بالدور الصينى، معتبرا الاستثمارات الصينية دعامة أساسية لعملية إعادة بناء أفغانستان واستنهاض اقتصادها المهترئ، حتى ردت بكين على تشكيل طالبان حكومتها المؤقتة، بإعلان تخصيص مساعدات جديدة للشعب الأفغانى.
استنادا إلى تغيرات اجتماعية وثقافية وديمجرافية لافتة، تعى الحركة صعوبة إعادة إنتاج تجربتها البائدة المريرة فى الحكم. فبعد مضى عشرين عاما، أضحت المرأة تشكل نصف المجتمع الأفغانى، بينما تمثل الأجيال الجديدة التى ولدت بعد العام 2000 نصف مواطنيه، بمتوسط عمر يبلغ 19.5 سنة، وقد تلقى كثيرون منهم قسطا معقولا من التعليم، وارتفع معدل الإلمام بالقراءة والكتابة فى صفوفهم إلى أكثر من 40%. ولما كان نصفهم من ساكنى المدن، فقد أدركوا اقتصادا أكثر حداثة مما كان عليه الحال خلال حقبة طالبان الأولى، التى لم تكتوِ بنيرانها تلك الأجيال الجديدة، المنخرط معظمها فى العالم الافتراضى، إلى مستوى أوجد بداخلهم رغبة ملحة للعيش فى عالم أكثر تحضرا وتحررا.
وبينما لم يخف أمين عام الناتو، استعداد الشركاء الأطلسيين للتشاور بشأن إمكانية الاعتراف الدبلوماسى بطالبان، على وقع سياسات ومواقف حكومتها الجديدة، أعلن منسق السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبى، جوزيب بوريل، عزم التكتل التعامل مع الحركة ظرفيا، دونما اعتراف بها، خصوصا بعدما صدمته تشكيلة حكومتها غير الجامعة، والمفتقدة للطابع التمثيلى، على أن يتم التحاور معها بشروط صارمة، من قبيل: عدم استخدام أفغانستان منصة لتصدير الإرهاب إلى دول أخرى، واحترام حقوق الإنسان وسيادة القانون وحرية التعبير، ومراعاة حقوق المرأة، وعدم عرقلة المساعدات الإنسانية التى يتطلع الاتحاد الأوروبى إلى مضاعفتها مستقبلا، فضلا عن السماح للرعايا الأجانب والأفغان المتبقين فى أفغانستان بعد إنجاز عمليات الإجلاء نهاية الشهر الماضى، بمغادرة البلاد على نحو سلس وآمن، وقتما شاءوا.
بالتزامن، اقترحت زمرة من قادة الرأى الأمريكيين على إدارة بايدن الاعتراف بحركة طالبان، وتشجيع الاتصالات غير الرسمية معها، وإنهاء تجميد الاحتياطيات النقدية الأفغانية بالخارج، عسى أن يعين ذلك على توفير نوافذ إصلاح متعددة لأفغانستان الجديدة، التى يحتاج مواطنوها وحكامها الجدد لفيض انفتاح على العالم.فبرغم ما قد يسوقه التعاون مع طالبان من مخاطر وشكوك، لا حصر لها، كونه قد يؤشر لتسويغ التوجهات الاستبدادية والعصف بالحريات وحقوق الإنسان، يرى أصحاب هذا الطرح، أنه ربما يكون الخيار الأفضل أمام واشنطن والمجتمع الدولى لحماية الشعب الأفغانى، وتعديل أفكار وسلوك الحركة، والحيلولة دون تسامح قياداتها مع الحركات المتطرفة والمنظمات الإرهابية، وتفويت الفرصة على دول الجوار الأفغانى، المتهافتة على وراثة التركة الغربية من عائدات النفوذ والتموضع فى القلب الثرى للقارة الآسيوية.
يعتقد مراقبون أن حديث الدول الغربية عن«شروط صارمة» يتعين على طالبان الوفاء بها، مقابل مد جسور التواصل معها، لن يتجاوز حدود المخاتلة، لرفع الحرج عن حكوماتها أمام الرأى العام العالمى، فيما تظل سياساتها الفعلية مرتكنة إلى حسابات مصلحية، تتوارى خلف تراهات الالتزام الطالبانى بالديمقراطية وحقوق الإنسان، والتخلى عن رعاية الإرهاب. ففى حين هرعت إدارة بايدن للإشادة بما أبدته الحركة من مرونة إيجابية ونهج احترافى، لجهة تيسير مغادرة مزيد من الأمريكيين وحاملى تأشيرات الإقامة الدائمة، بأولى رحلات الطيران العارض عبر مطار كابول، بعد إتمام الانسحاب والإجلاء الأطلسيين نهاية الشهر الماضى، تؤكد الشواهد التاريخية إعراض القوى الكبرى عن عزل أية دولة، بجريرة تدهور سجلها الديمقراطى والحقوقى. فبوازع من حسابات براجماتية ملحة، لا يتورع الكبار عن توثيق علاقاتهم بأنظمة مارقة أو متسلطة، وإن حملتهم ضرورة حفظ ماء الوجه، على الاستعانة برتاج العقوبات المخملية والمرحلية، التى يسهل انتهاكها.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2021 ShoroukNews. All rights reserved