البرتغال.. حين يكون لـ«الشمال» جنوبه أيضًا

محمد العجاتي
محمد العجاتي

آخر تحديث: الأحد 13 سبتمبر 2026 - 7:10 م بتوقيت القاهرة

اعتدنا، حين نتحدث عن «الشمال» و«الجنوب»، أن نرسم خطًا فاصلًا بين عالمين: دول صناعية غنية فى الشمال، ودول أقل ثراءً وأكثر تعرضًا للمديونية والتبعية وشروط المؤسسات المالية الدولية فى الجنوب. لكن الإقامة لبعض الوقت فى البرتغال، خاصة فى ظل برنامج للتبادل البحثى، تفتح نافذة أخرى للنظر إلى هذه الثنائية. فداخل أوروبا نفسها يوجد ما يسمى «جنوب أوروبا» مثل البرتغال وإسبانيا واليونان، ومعها بدرجات مختلفة إيطاليا. وهى ليست جزءًا من «الجنوب العالمى» بالمعنى السياسى والاقتصادى المتعارف عليه، لكن موقعها داخل الاقتصاد الأوروبى يكشف أن علاقات الهيمنة الرأسمالية يمكن أن يعاد إنتاجها داخل المركز نفسه.

  • • •

وقد ظهرت هذه الحقيقة بوضوح خلال أزمة الديون الأوروبية. ففى عام 2011 دخلت البرتغال برنامج إنقاذ مالى مع «الترويكا» ــ المفوضية الأوروبية والبنك المركزى الأوروبى وصندوق النقد الدولى ــ وأصبحت السياسة الاقتصادية الوطنية مرتبطة بصورة مباشرة بأهداف العجز والدين وبالتقييم الدورى للمؤسسات الدائنة. لم تعد الموازنة وسياسات الأجور والعمل والحماية الاجتماعية مسائل تحددها الحكومة الوطنية وحدها، وإنما أصبحت جزءًا من عملية مراقبة وتفاوض تتجاوز حدود الدولة. وهذه إحدى النقاط التى بدت لنا مهمة فى التشابه معنا كدول فى الجنوب العالمى فى علاقتنا مع البنك الدولى وصندوق النقد، حيث الأزمة المالية لا تعيد فقط ترتيب أرقام الموازنة، وإنما تعيد أيضًا توزيع سلطة اتخاذ القرار بين الدولة والأسواق والمؤسسات العابرة للدول.

وكان للبرتغال قبل الأزمة نظام حماية اجتماعية توسع بصورة كبيرة بعد ثورة القرنفل عام 1974، خصوصًا فى الصحة والتعليم والضمان الاجتماعى، لكنه ظل يحمل بعض خصائص نموذج جنوب أوروبا: تفاوتًا فى التغطية، ودورًا كبيرًا للأسرة، وفجوات بين أصحاب العمل المستقر والفئات الأكثر هشاشة، أشبه بنظم الحماية التى يمكن أن نتحدث عنها فى منطقتنا العربية فى ظل نظم الاستقلال الوطنى. ثم جاءت أزمة الدين لتغيّر الأولوية من توسيع الحقوق والخدمات إلى ضبط المالية العامة.

وتحت برنامج التكيف عندهم، كما فى سياسات الإصلاح الهيكلى عندنا، فُرضت قيود على التوظيف العام، وخُفضت تكاليف الصحة والتعليم، وأعيد هيكلة الإدارة العامة، وجرى تقليص مدة إعانات البطالة وسقف بعض الاستحقاقات. والمفارقة المعتادة فى أزمات التقشف ظهرت هنا بوضوح، فى اللحظة التى كانت البطالة وانخفاض الدخول يزيدان فيها الحاجة إلى الحماية الاجتماعية، كانت قدرة الدولة على الاستجابة لهذه الحاجة تتعرض هى نفسها للضغط.

وهنا تبدو المقارنة مع خبرتنا فى جنوب العالم مهمة، وإن كانت تحتاج إلى الحذر. ففى الحالتين نجد الدين يتحول من مسألة مالية إلى أداة لإعادة تشكيل السياسات العامة، ونجد خطاب «لا بديل» يقدم قرارات سياسية واجتماعية باعتبارها ضرورات تقنية. لكن البرتغال تذكرنا أيضًا بالفروق: فهى عضو فى الاتحاد الأوروبى ومنطقة اليورو، ولديها دولة رفاه ومؤسسات ديمقراطية وقضاء دستورى استطاع بالفعل إبطال بعض إجراءات التقشف التى مست الأجور والمعاشات والحقوق المكتسبة. لم يمنع القضاء التقشف، لكنه وضع حدودًا لبعض الطرق التى وُزعت بها تكلفته.

  • • •

والأهم أن السياسة استطاعت لاحقًا استعادة مساحة من تلك التى بدت وكأنها ضاعت نهائيًا. فمنذ 2015، أعادت حكومة أنطونيو كوستا اليسارية، المدعومة برلمانيًا، جزءًا من الأجور التى خُفضت فى القطاع العام، ورفعت الحد الأدنى للأجور، واستعادت بعض المعاشات والمزايا الاجتماعية. لكنها لم تخرج من قواعد اليورو والانضباط المالى الأوروبي؛ ولذلك وصف بعض الباحثين التجربة لاحقًا بأنها «تقشف فى الخفاء»: تخفيف بعض مظاهر التقشف الاجتماعية الأكثر قسوة، مع استمرار القيود المالية فى صور أقل ظهورًا. وهو ما يطرح علينا أفكارًا عديدة يمكن أن نستلهمها فى منطقتنا.

وكما هو الحال، آثار الأزمات الاقتصادية لا تبقى فى الاقتصاد وحده، فتأتى ظاهرة أخرى يعرفها عالمنا العربى جيدًا، وإن اختلفت سياقاتها: الشعبوية، وتحويل الغضب الاجتماعى من سؤال توزيع الثروة والسلطة إلى البحث عن خصم سهل: المهاجر، والأجنبى، والنخب، والمؤسسات، وأحيانًا الأقليات.

هذه ليست ظاهرة برتغالية. اليمين الشعبوى والقومى أصبح قوة رئيسية فى أجزاء واسعة من أوروبا: من التجمع الوطنى فى فرنسا إلى البديل من أجل ألمانيا، ومن جورجيا ميلونى فى إيطاليا إلى أحزاب وحركات أخرى تتفاوت فى درجة راديكاليتها. وحتى خلال الأيام التى أكتب فيها هذه السطور، يشهد اليمين الأوروبى مزيدًا من إعادة التشكل والصعود فى مقاطعات ألمانية.

والبرتغال، التى ظلت لفترة طويلة تبدو استثناءً من هذه الموجة، لم تعد كذلك. وأنا أتجول فى شوارع أكثر من مدينة، لفت نظرى وجه رجل يتكرر على لوحات ضخمة وإلى جواره عبارة «إنقاذ البرتغال». الرجل هو أندريه فينتورا، أستاذ جامعى ومعلق رياضى سابق، أسس حزب «شيجا» عام 2019 ولا يزال رئيسه. ويعنى اسم الحزب «كفى»، أما «إنقاذ البرتغال» فهو اسم البرنامج الانتخابى الذى خاض به الحزب انتخابات 2025، ولا يزال الحزب نفسه يعرض البرنامج بهذا الاسم على موقعه. قصة الحزب لافتة فى سرعة صعوده، حيث دخل البرلمان عام 2019 بفينتورا نائبًا وحيدًا وبنحو 1.3% من الأصوات، ثم واصل الصعود حتى حصل على نحو 20% فى انتخابات 2025 وأصبح ثانى أكبر قوة فى البرلمان، كاسرًا إلى حد بعيد الثنائية التقليدية بين الاشتراكيين واليمين الديمقراطى الاجتماعى التى حكمت السياسة البرتغالية لعقود.

  • • •

وخطابه يجمع عناصر مألوفة فى الشعبوية اليمينية المعاصرة: مكافحة الفساد ورفض «النظام» والنخب السياسية التقليدية، إلى جانب خطاب شديد العداء ضد الهجرة، ودعوة لتشديد العقوبات، وارتفاع فى النعرات القومية الثقافية، والدفاع عن قيم سلبية تحت شعار «الأسرة»، وصلت للدعوة إلى تعديل أجزاء من دستور ما بعد ثورة 1974، وهو له مكانة خاصة فى الرأى العام البرتغالى، إذ إنه الدستور الذى بلور نضال سنوات للخروج من الديكتاتورية.

وفى الهجرة تحديدًا، انتقل الحزب خلال سنوات قليلة إلى مواقف أكثر تشددًا، تشمل فرض قيود أشد على الدخول والإقامة والجنسية والحصول على بعض المنافع الاجتماعية. وهى أفكار عنصرية شبيهة بتلك التى نراها فى منطقتنا ضد اللاجئين والمهاجرين، حيث تترعرع بالذات فى ظل وضع كالذى تعيشه البرتغال المعاصرة، التى تجمع بين بطالة منخفضة نسبيًا وبين أجور منخفضة وفقر ومشكلة سكن حادة، خصوصًا فى المدن التى ارتفعت فيها الإيجارات، فضلًا عن إحباط من النخب السياسية وفضائح فساد متكررة. وفى هذه البيئة يستطيع الخطاب الشعبوى أن يفعل ما يجيده: أن يلتقط غضبًا اجتماعيًا حقيقيًا ثم يعيد تعريف أسبابه وخصومه لصالح فئات أكثر حظوة.

هنا تحديدًا يصبح جنوب أوروبا نافذة مفيدة لنا فى الجنوب العالمى، ومنه منطقتنا العربية. ليس لأنهم يعيشون تجربتنا نفسها، وإنما لأن التجربتين تكشفان شيئًا مشتركًا: حين تضيق قدرة السياسة على تقديم إجابات اجتماعية، يظهر الغضب. ولو كانت السياسات ديمقراطية فلا يختفى الغضب، إنما يتغير شكله فقط. فبدلًا من المجموعات والحركات المتناثرة، يمكن أن يظهر فى صورة أحزاب تدخل المجال السياسى والانتخابات والبرلمانات. وبدلًا من أن يبقى الغضب خارج النظام السياسي، كما يحدث كثيرًا فى منطقتنا، يجد فى جنوب أوروبا قنوات ديمقراطية تسمح له بأن يتحول إلى قوة سياسية منظمة، ليتحول الغضب بأطرافه إلى جزء من المجال العام ولا يترك للانفجار خارجه.

مدير منتدى البدائل العربى ــ بيروت

 

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved