السيد والمناكيد فى «وسية الحكومة»
محمد سعد عبدالحفيظ
آخر تحديث:
الأحد 13 سبتمبر 2026 - 7:05 م
بتوقيت القاهرة
لم يكن تصرف محافظ القليوبية، حسام عبد الفتاح، الفظ تجاه مديرى مدرستين داخل نطاق محافظته، سوى دليل جديد على الحالة التى تتلبس بعض السادة المسئولين بمجرد أن يتبوأوا مناصبهم.
يتعامل بعض مسئولى بلادنا مع الهيئات والجهات الحكومية التى يترأسونها باعتبارها «وسايا»، يعتبرون أنفسهم «ناظر الوسية»، وعلى الموظفين، أيا كانت مواقعهم ودرجاتهم، أن يؤدوا أدوار الفلاحين «المناكيد».
يتجاوز المسئول حدود اختصاصاته وقواعد علاقته بمرءوسيه، ويقف أمام مرأى ومسمع من الجميع، وأمام كاميرات أطقمِه الإعلامية والزملاء الصحفيين، «يشخط وينطر ويجازى ويقيل»، وكأنه الحاكم بأمره، دون أن يراعى ما تقتضيه النظم واللوائح، ولا حتى نفسية الموظف الذى يتلقى الإهانة أمام زملائه والناس، وربما أمام أسرته وأبنائه.
لا يسأل السيد المسئول، وهو يمارس دور «ناظر الوسية»: ما حجم الألم النفسى الذى يسببه تنكيله بالموظف؟.. ولا كيف سيعود هذا الموظف إلى منزله ويواجه أسرته وأبناءه بعدما شاهدوه وهو يتلقى الإهانة على مرأى ومسمع من الجميع؟
وماذا لو تعرض المسئول ذاته للإهانة بالطريقة نفسها من رئيسه؟ ألم يسأل نفسه كيف سيستمر فى موقعه، أو يواجه مرءوسيه، أو حتى أبناءه، إذا تعمد من يعلوه سلطة الحط من كرامته أمام الناس؟
المشكلة هنا ليست فى محاسبة موظف مقصر، ولا فى حق المسئول التنفيذى فى التفتيش والمتابعة واتخاذ الإجراءات القانونية فى حدود اختصاصاته. بل على العكس، فترك الإهمال بلا حساب جريمة. لكن المحاسبة شىء والإهانة شىء آخر، والسلطة شىء والاستعلاء شىء آخر تماما.
خلال الشهور الماضية، تعددت الوقائع التى تحولت فيها الجولات الميدانية لبعض المسئولين إلى مشاهد إذلال للموظفين أمام الكاميرات؛ من «هى تكية؟» التى قالها محافظ المنيا السابق لمدير مدرسة، نهاية بعبارة «لو مش قادر.. فيه مليون واحد» التى وجهها محافظ الدقهلية إلى مدير مركز تكنولوجى. وغيرها من الوقائع التى رصدها زميلنا كريم البكرى فى تقريره بـ«الشروق»، لافتا إلى أن الكاميرا جعلت طريقة المحاسبة نفسها قضية رأى عام، بعدما كان القرار الإدارى وحده هو الذى يتصدر المشهد.
فى واقعة القليوبية الأخيرة، انتفض الرأى العام على مواقع التواصل الاجتماعى رفضا لطريقة تعامل المحافظ مع الأستاذة صالحة أبو الفضل، مديرة مدرسة الشهيد أحمد سمير، والأستاذ نادر على، مدير مدرسة برقطا. وتبين، بحسب ما أوردته تقارير صحفية، أن المديرة لم تكن تتهرب من مسئوليتها، بل تحدثت عن احتياجات المدرسة وما تحملته من نفقات شخصية لتوفير بعض مستلزماتها، فيما دافع أهالى قرية برقطا عن المدير الآخر، الذى كان ارتداؤه الجلباب داخل المدرسة لحظة وصول المحافظ أحد أسباب توبيخه، وأشادوا بجهوده فى إدارة المدرسة.
وتحت ضغط الغضب العام، استقبل وزير التربية والتعليم المديرين وكرمهما، مؤكدا أن «كرامة المعلمين ومديرى المدارس خط أحمر».
ويحسب للوزير استجابته السريعة، لكن الأهم أن ننتبه إلى ما كشفته الواقعة؛ فالرأى العام لم يعد يقبل أن تكون إهانة الموظف جزءا طبيعيا من ممارسة السلطة. لقد شاهد الناس المشهد، وانحازوا إلى من تعرض للإهانة، ثم طالبوا بالإنصاف، وهو تطور إيجابى ينبغى ألا تستخف به الحكومة.
فالمسئول التنفيذى، وزيرا كان أم محافظا، معينا أو منتخبا، ليس «سيدا» على الموظفين ولا مالكا للمرفق الذى يديره، هو نفسه موظف عام، يستمد سلطته من الدستور والقانون، ويمارس اختصاصا محددا، ويحاسب ويساءل إذا تجاوز حدود هذا الاختصاص.
ولعل الفارق بين إدارة حديثة وإدارة بعقلية «الوسية» أن الأولى تحاسب الموظف على خطئه وفقا للقانون، وتحفظ له كرامته وحقه فى الدفاع عن نفسه، بينما ترى الثانية أن إظهار جبروت «الناظر» أمام «الفلاحين» جزء من هيبة السلطة.
لا نحتاج إلى اكتشاف معنى الاحترام؛ يكفى أن نتذكر أننا، بعد ثورة 23 يوليو، أسقطنا دولة الامتيازات الطبقية والإقطاعية، ولم يعد الموظف العام «فلاحا» فى وسية أحد.
ولهذا تبدو كلمات سيد حجاب فى تتر مسلسل «الوسية» التى غناها محمد الحلو، كأنها كتبت لهذا المشهد تحديدا:
«مين اللى قال الدنيا دى وسية
فيها عبيد مناكيد وفيها السيد
سوانا رب الناس سواسية»
لسنا فى «وسية»، وليس فى الدولة «سادة» و«مناكيد»؛ ومن يملك سلطة القرار عليه أن يتذكر دائما أن السلطة ليست رخصة لإهانة من هم أدنى منه فى السلم الوظيفى، وأن الموظف الذى يقف أمامه ليس عبدا فى ملكيته، وإنما موظف عام يؤدى عملا عاما، وله كرامة يجب أن تحترم.