الإصلاح والجمود الفكرى

يوسف شاهين
يوسف شاهين

آخر تحديث: الأحد 13 أكتوبر 2019 - 10:20 م بتوقيت القاهرة

ارتأيت كتابة هذا المقال رغم أنه قد يبدو للكثيرين أن الأمر لا يعدو أن يكون تحصيل حاصل، إيمانا من هؤلاء بأنه لا مناص من مواكبة التطور الفكرى للإصلاح. فلا يمكن أن يكون هناك إصلاح حقيق وشامل فى ظل بقاء الجمود الفكرى والبيروقراطية الأخطبوطية الضاربة فى أعماق الجهاز الإدارى. بيد أنه إذا قمنا بمراقبة الوضع الحالى، نجد أن مصر تقفز كالمارد خطوات ضخمة فى مجال الإصلاح لم تشهده من قبل، بل وعلى حد قول صندوق النقد الدولى قلما شهدته دولة أخرى فى نطاق عمليات الإصلاح، بينما نشهد فى نفس الوقت أخطبوط البيروقراطية يتفنن فى كيفية الانقضاض على فريسته من خلال المماطلة وعرقلة عمليات التنفيذ والتمسك بأسباب أغلبها واهية. فإذا أرادت القيادة السياسية التعجيل من خطوات إقامة مشروع أو بناء مصنع، نجد البيروقراطية، ممثلة فى صغار الموظفين، تسوف وتماطل فى طلب إجراءات وأوراق قد يكون الكثير منها غير مجدٍ ولمجرد التعطيل. باختصار فإن موظفى الخدمة المدنية هم مجموعة فرعية من البيروقراطية وجزء لا يتجزأ منها.
كانت البيروقراطية فى الماضى هى حامية النظام الإدارى من الفساد والغش من خلال مركزية مراقبة النظام واتباعها ذات الإجراءات على الجميع ولا تسمح بالمحسوبية أو المحاباة، وكان فى الماضى كلمة «بيروقراطى» مقرونة بالرجل المثقف، الذى يعمل خلف مكتبه، على اعتبار أن كلمة «بيرو» تعنى مكتب بالفرنسية. إلاّ أن كلمة البيروقراطى، من الناحية الفنية، أصبحت اليوم مرادفة لموظفى الخدمة المدنية، بما لها من دلالة سلبية لأنها تعبر عن التعقيد فى المعاملة وعدم المرونة وانعدام الفعالية بالنظر إلى التمسك المفرط بالإجراءات المتقادمة. والبيروقراطية ليس لها تصنيف أو ترتيب، فهى تشمل كوادر كبار الموظفين كما تضم أيضا الكوادر الدنيا. فإن مسمى بيروقراطى اليوم لم يعد مجاملة، بل أصبح كلمة مهينة لما يعنيه ضمنيا من عرقلة ومماطلة وجمود وسلبية فى التعامل وترجيح المصلحة الذاتية والخمول الذهنى والتقاعس عن العمل.. إلخ. فالبيروقراطية باختصار أصبحت تمثل كراهية لكل جديد، لأن الموظف يرى نفسه غير مستفيد بل يشعر بأن الإصلاح ليس فى صالحه.
***
لقد حققت مصر الكثير، لا سيما مؤخرا فيما تسلكه من إصلاح جذرى على مختلف المستويات، غير أن البيروقراطية والجمود الفكرى ما زالا عالقين فى أذهاننا ويجعلان الجهاز الإدارى غير قادر على مواكبة التطور ومسايرته، كما يؤثران سلبا على تنفيذ خطوات ما بعد الإصلاح وغير مبالين بجنى ثماره. ولننظر سريعا إلى ما حققته مصر خلال العامين الماضيين. حققت استقرار مؤشرات الاقتصاد الكلى من خلال إقدامها دون تردد على تحرير الجنيه وتعويمه أمام العملات الأخرى، حققت الخفض التدريجى لمعدلات التضخم وخفض الدين العام بنسب لم تُشهد من قبل، ونجحت فى خفض معدلات البطالة إلى النصف لتصبح أقل من 10% فى سنوات معدودة، وحققت نموا بمعدل 5.3% للاقتصاد المصرى، وذلك إلى جانب الإصلاحات التشريعية، لا سيما إقرار قانون الاستثمار الجديد وجذب مزيد من الاستثمارات الخاصة وإعادة الثقة للقطاع الخاص الوطنى وتحسين مناخ العمل. كل هذا من شأنه أن ينعكس بالإيجاب على مسيرة الإصلاح الاقتصادى وتعزيز القدرة التنافسية لمصر، بما يساهم فى خلق المزيد من فرص العمل ومكافحة البطالة، أضف إلى ذلك كله التطور غير المسبوق فى البنية التحتية وشبكة الطرق على أعلى مستوى، التى لا علينا إلاّ أن نفخر بها جميعا.
وإذ سبق أن تعايشت مصر طوال تاريخها مع البيروقراطية، فإنها اليوم باتت تعانى من تفاقمها وآثارها الوخيمة على التحديث والتطوير ومجاراة التطور العالمى السريع واللحاق به. بل أنه أكثر من ذلك. أصبحت البيروقراطية تعمل ضد مصلحة المواطن المصرى. فأصبحت البيروقراطية تجسد مصلحة الموظف متباهيا بسلطته فى السلم الإدارى وامتلاكه ختم الدولة. فيتصف عمله بالروتين وبطء التنفيذ والمغالاة فى التمسك الحَرفى والمتجمد بالقواعد وشكليتها أكثر من مضمونها، مما يصب فى النهاية إلى عرقلة شئون الدولة وسلبية التعامل مع المواطنين والمستثمرين والمصدرين وغيرهم من الفئات العاملة بالدولة والراغبة فى مجاراة التقدم والنمو.
ولعلنى لا أبالغ هنا إذا ما عزمت أن البيروقراطية والتى تمثل الجمود الفكرى للجهاز الإدارى تناهز التطرف الدينى والتشبث بالمفاهيم الخاطئة، بما يعمل على تحريف ديننا الحنيف، الذى يلفظ الإرهاب والجمود ويحث على السماحة والسلام والتطور. فإن ما تعانى مصر منه اليوم فى ترسخ الجمود الفكرى والبيروقراطية ورفض مسايرة طموحات القيادة السياسية، بما تحرصه على إحداث طفرة تليق بمصر وبشعبها، يتعين علينا اقتلاعه من جذوره، حيث إنه لا اختلاف بين البيروقراطية وتأثيرها العقيم على النمو والتقدم وبين التطرف الدينى، الذى يقبع فى ذهن الإرهابى، الذى هو الآخر يرفض الرقى والازدهار.
***
وترفض البيروقراطية المصرية بذل أى جهد رافعة شعار «العمل بقدر المرتب»، وترفض التحرك أو الانفتاح؛ لأن ذلك قد يتطلب مزيدا من الجهد ومزيدا من التفكير، وهو ما يخشاه الموظف ويرفضه شكلا وموضوعا. ويعوزنى فى هذا المقام استرجاع مقال السيد الدكتور على الدين هلال فى أواخر سبتمبر فى جريدة الأهرام عندما سرد لنا طريق الصين فى الإصلاح. فذكر أن الصين أقامت قطاعا رأسماليا فى مجالى التجارة والصناعة يعمل وفقا للقواعد الدولية وينخرط فى الاقتصاد الدولى بُغية التصدير والاستيراد، ولم تتوان الصين فى ابتكار الأساليب والطرق لجذب وتشجيع الاستثمارات الأجنبية للعمل داخل الصين مع تدخل القيادة السياسية لتذليل أى العقبات والعراقيل التى قد تحول دون تدفق الاستثمارات الأجنبية. وتحمل الصين اليوم لواء تحرير التجارة والانفتاح.
فكيف يتأتى لنا فى ظل جهود الإصلاح غير المسبوقة، التى تقوم بها مصر اليوم أن نستمر فى احتمال هؤلاء الذين يرفضون التطور والإصلاح. فلا يمكن إتمام عملية الإصلاح كاملة وبشكل جذرى إن لم يصحبها إصلاح مماثل فى الفكر وعقل الجهاز الإدارى والموظفين بالدولة. فإن هؤلاء هم المسئولون والموكل إليهم عملية تنفيذ عمليات الإصلاح برمتها.
فإن الاهتمام بوعى الموظف ليس من خلال رفع مرتبه أو منحه المكافآت أو ترقيته أو نقله من مكان إلى آخر أو تنظيم منح تدريبية لتحسين أدائه الفنى أو اختبارات متوالية لتعيين القادة فى الجهاز الإدارى دون الالتفات إلى تطوير طريقة تفكير هذا الشخص وجعله مدركا وواعيا لإعادة الهيكلة التى تتم من حوله والانفتاح على العالم ومواكبته التطور الإلكترونى دون أن يخشى على وظيفته أو يماطل فى التطبيق بحجة أن مصر ما زالت دولة نامية ولم تلحق بركب التقدم بعد وليس لديها التشريعات التى تحميها من غزو التقدم والتطور.
فالبيروقراطية لا تعنى رأيا معاكسا أو تفكيرا مختلفا، بل إنها تعنى الخمول فى التنفيذ وعرقلة المضى فى التطوير بحجة أنها تحمى الدولة من الهرولة فى الإصلاح فى غياب الآلات والتشريعات التى من شأنها حماية مصر مما تزعمه من إصلاح متعجل. فإن البيروقراطية لا تعنى التحاور أو أن تأتى بفكر جديد، بل هى تمثل التشبث بالرأى العقيم، الذى يلفظ كل جديد والابتكار والتقدم والشجاعة. فالبيروقراطية تعنى اختيار الطريق الراكد، الذى لا يتحمل المسئولية أو يفرض عملا إضافيا.
وإذا كان لنا بعد هذا الشرح أن نضرب الأمثال، فلنشاهد حولنا الموظفين فى الوزارات والهيئات المختلفة كالاستثمار والتجارة الخارجية والجمارك، وهى تلك الوزارات المطلوب منها التعامل مع العالم الخارجى، أو وزارات التموين والتجارة الداخلية أو وزارة التنمية المحلية التى تتعامل مع المواطن بالداخل، فأين موظفوها الذين يقع على عاتقهم تنفيذ الإصلاح والتغيير والتحديث والابتكار؟
وأين وزارة التخطيط والإصلاح الإدارى من عملية تغيير الجمود الفكرى للموظفين واقتلاع البيروقراطية الأخطبوطية من جذورها التى ترفض عمليات الإصلاح وتتحايل على التنفيذ؟ أسئلة تنتظر الإجابة حتى تنجح عمليات الإصلاح الهيكلى.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2019 ShoroukNews. All rights reserved