عدالة المناخ.. هل يُنصِف الأثرياء الأرضَ وفقراءها؟

زينب سرور
زينب سرور

آخر تحديث: الخميس 13 أكتوبر 2022 - 6:40 م بتوقيت القاهرة

ليل الثانى من ديسمبر 1984، وقعت أسوأ كارثة صناعية فى العالم. انفجر معمل الشركة الكيميائية «يونيون كاربيد» الأمريكية فى مدينة بهوبال الهندية، فتسرب إلى الهواء أربعون طنا من الغازات السامة. فى تلك الليلة، تسمم أكثر من 600 ألفٍ من سكان أحياء الصفيح المتهالكة القاطنين بجوار المعمل، فقُتل على الفور ثلاثة آلاف منهم. وعلى مر العقود اللاحقة، ارتفع العدد إلى عشرين ألفا. ومن لم يمت، شُوه طيلة حياته، وستشوه بعده أجيالٌ قادمة.
لم تتقيد «يونيون كاربيد» بأى من القواعد الأمنية ولم تطبق معايير السلامة التى تطبقها فى الولايات المتحدة. حتى أنها ألقت نفاياتها السامة بين الأحياء المحلية، تلك النفايات التى تحوى ملوثات عضوية محظورة من قبل الأمم المتحدة لتأثيرها الشديد على الإنسان والبيئة. وحتى عام 2019، بحسب دراسات استقصائية، وصلت تلك النفايات إلى 42 منطقة فى بهوبال، وما زالت تنتشر.
بعد سبع سنوات على الحادثة، كان عالِم الاقتصاد لورنس سمُرز، الحاصل على شهادة الدكتوراه من جامعة «هارفارد» والذى كان يحتل منصبا رفيعا فى إدارة البنك الدولى، فى وثيقة داخلية سُربت بالخطأ، يشجع البنك الدولى على هجرة الصناعات التى تسبب تلوثا والنفايات السامة «إلى بلدان أقل تطورا»، وذلك لأسباب اقتصادية وعلى رأسها الأجور المنخفضة لسكان تلك البلدان والمساحات الشاسعة فيها حيث لا يزال هناك مجال للتلوث، ونسبة الأمراض السرطانية المنخفضة بين الفقراء الذين يمتلكون ميزة الموت باكرا لأسباب أخرى. أدى تسريب الوثيقة إلى فضيحة مدوية، فأمورٌ كهذه، على ما يقول الصحافى والكاتب إدواردو جاليانو، وله باع طويل بقضايا العدالة المناخية، «يجب أن تُفعل ولا تُقال. خطَ سمُرز بوقاحة على الورق ما كان يفعله العالم عمليا لوقت طويل. ذلك أن الجنوب (المُفقر والمسلوب الثروات) يعمل كسلة قمامة للشمال».
• • •
ليست «يونيون كاربيد» ولورنس سمُرز سوى مثالين فاقعين عن شكل عالمنا خلال العقود القليلة الماضية: نظام اقتصادى يستغل البيئة بشكل جائر تعظيما للأرباح على حساب الطبقات والدول الفقيرة. وجه صناعى يلهث خلف الربح، وإنْ قتَل فى طريقه عشراتٍ من معدومى الحال، وآخر اقتصادى يوظف «خبرته» خدمة لهذا النموذج. صحيح أن البشرية كلها تدفع ثمن دمار كوكب الأرض وتلويث جوه وتسميم مياهه واضطراب مناخه، لكن أكثر من يدفع ثمن الدمار هم فقراؤه. وبالطبع، لا تقتصر المسألة على الصناعات الملوثة أو كثيفة الاستهلاك للطاقة وإنْ كان الطلب على الطاقة فاق كل حدود، فاستنزاف الكوكب يطال كل شىء، من مياهه، العائم منها على وجه الأرض وما يتشكل فى جوفها، وهوائه، إلى كائناته الحية وتنوعه الإيكولوجى، وظاهر أرضه وباطنها، وصولا إلى تهديد النوع الإنسانى نفسه.
منذ عقود، تُطرح قضية العدالة البيئية والمناخية على الأجندات الوطنية والإقليمية والدولية، فالترابط بين النمط الاقتصادى السائد والبيئة غير قابلٍ للفصل. يتمظهر هذا الترابط حينا بشكل جلى وأحيانا يحتاج توضيحُه والآثار المترتبة عليه جهدا كبيرا. لقد نسفت سيطرةُ متطلبات الرأسمالية وآثارُ الاختلال الاقتصادى التوازنات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، معمقة الفوارق بين الناس. وتكتسب أهميةُ البيئة بُعدا إضافيا انطلاقا من تشابكها مع النمط الاقتصادى السائد، وقد أثبتت الأزمات الاقتصادية المتكررة، والتى شهدناها طوال القرن الماضى، عدم قدرة النمط الاقتصادى بشكله الراهن على الصمود طويلا.
رصد الباحثون، فى كتاب منطقة فى خطر الصادر عن منتدى البدائل العربى ومؤسسة جرين بيس، انعدام العدالة البيئية والمناخية وتأثيرها على العدالة الاجتماعية بأشكال عديدة؛ من الموارد المائية وندرتها وتلوثها وسوء توزيعها، إلى تلوث البحار والأنهار وآثارها الجمة على الثروة الحيوانية والصناعة السمكية والاستزراع السمكى وتباعا على الصيادين. ثم مسألة العمران وسيطرة متطلبات الرأسمالية بشكل متزايد على تحول المشهد الحضرى وإحداث مناطق إعمارية مصطنعة موجهة نحو الاندماج فى الاقتصاد المعولم بينما تعرض بقية المجال الحضرى والريفى للتهميش والإفقار. بالإضافة إلى قضية تلوث الهواء وثقب الأوزون الآخذ فى الاتساع والطاقة غير المتجددة، والوقود الأحفورى واستخدامه فى إنتاج الطاقة والكهرباء وما يسببه، بالحد الأدنى، من كوارث بيئية ومظاهر مناخية متطرفة وأمراض وأوبئة.
يمكن لـ«تغير المناخ» أن يكون العنوان الأكثر تعبيرا عن عمق الأزمة التى تمر بها البشرية على جميع المستويات. ويمكن، من دون كثيرِ تفكير، وصف تلك القضية بالأكثر خطورة فى تاريخ الإنسانية. منذ منتصف التسعينيات، عقد العالم ستة وعشرين قمة للمناخ، وتفصلنا عن السابعة والعشرين أسابيع قليلة. من المفترض أن يجتمع فى شرم الشيخ قادة وممثلو 197 دولة لمناقشة قضية تغير المناخ وما تفعله الدول لمواجهة هذه الكارثة، وذلك استنادا إلى اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن التغير المناخى والتى دخلت حيز التنفيذ فى 21 مارس 1994. وبعد أن كانت الدول الثرية فى «منظمة التعاون الاقتصادى والتنمية» ترسل نفاياتها الإشعاعية إلى دول الجنوب، توصلت قمة جلاسكو العام الماضى بأسكتلندا إلى اتفاق يهدف إلى تقليل حجم المخاطر البيئية التى يتعرض لها الكوكب وتوفير دعم مالى للدول النامية للتكيف مع تبعات التغير المناخى، والأهم تقليل استخدام الفحم الذى يسبب فى زيادة الانبعاثات الغازية فى الغلاف الجوى ويُعتبر المساهمَ الأساس فى التلوث وتغير المناخ.
ما حصل خلال العام الحالى، ويستمر إلى العام المقبل، أن أوروبا زادت من الاعتماد على الفحم لتوليد الطاقة تعويضا عن النقص الحاصل فى مصادر الطاقة الروسية. كانت بريطانيا أول من نقض اتفاقية «جلاسكو» التى وُقعت على أراضيها. تبعها كثيرٌ من دول القارة العجوز وعلى رأسها ألمانيا، فتحولت أوروبا الصناعية من «واعظٍ» حول ضرورة التحول نحو الطاقة النظيفة إلى معتمد أساسى على الطاقة القذرة. حتى أن أوروبا اتجهت نحو أفريقيا للحصول على الغاز بعد أن كان الاتحاد الأوروبى يضغط على الدول الإفريقية للتخلص من وقودها «القذر». فى المقابل، ما زالت الصين تحتل المرتبة الأولى عالميا فى حجم الانبعاثات الكربونية، تليها الولايات المتحدة. فما زالت الدول الثرية تُمعن فى استغلال ثروات الأمم الأفقر ومواردها وأراضيها ويدها العاملة لازدهار مشاريعها من جهة، وتُطلق العنان لاتفاقياتٍ مناخيةٍ هى أول من ينقضها من جهةٍ ثانية.
•••
ما سبق غيضٌ من فيضِ ما ارتُكب ويُرتكب بحق الأرض. لا يَشى المشهد بالأمل، فالضرر الذى أحدثته القلة بحق كوكبنا وخلّف آثارا كارثية على الأرض دفعت الكثرةُ ثمنَها بشكل أكبر، يجعل السؤال حول إمكانية العودة خطواتٍ إلى الوراء مشروعا. هل يمكن للأرض التعافى؟ الكثير من الدراسات العلمية ينفى ذلك، فالانبعاثات المتراكمة والتى تسببت بكوارث بيئية ومناخية وما لحقها من جرائم بحق البشر، سوف تبقى عالقة فى الجو لعقود مقبلة على أقل تقدير، والأرضُ لن تبرد لهيبَها. هذا يعنى تدهورا فى تحقيق عدالةٍ مناخية وبيئية لصالح الأغلب الأعم من قاطنى الكوكب، وهؤلاء من الفقراء. عدم إمكانية تعافى الأرض لا يعنى الكف عن البحث فى تجنب الكوارث، فذاك يعنى تسريع الموت، لكن أى بحث يحاول تعويم خطابٍ يرمى المسئولية «على الجميع»، وبالتساوى، يعنى أن لا أحدَ تحت سقف المحاسبة، يعنى إمعانا فى ترسيخ الفوارق الطبقية واللامساواة.
هل يُنصف الأثرياء، الذين يزدادون ثراء كلما أمعنوا فى دمار الأرض، فقراءها؟ فى معرض الإجابة، المدينة الهندية المنكوبة ما زالت مثالا حيا. 38 عاما مرت وأهالى المدينة الفقيرة لم يُنصفوا، مع دورٍ للحكومة الأمريكية فى عرقلة تحقيق العدالة للضحايا بهدف حماية الشركات الأمريكية العملاقة.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved