ضجيج المعرفة
سمر عادل
آخر تحديث:
الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 - 6:20 م
بتوقيت القاهرة
لم نكن فى الماضى نمتلك هذا القدر الضخم المتدفق من المعلومات إذ إن الوصول إلى المعرفة لم يعد هو المشكلة التى تواجه الإنسان المعاصر، بل ربما أصبحت المشكلة فى كثرة ما يصل إليه على عكس ما مضى؛ حيث كان الوصول للمعلومة يحتاج مشقة من الكاتب أو الباحث عبر الذهاب إلى المكتبة والبحث بين العديد من الكتب والمراجع، ويقضى ساعات طويلة فى قراءة المصادر ومقارنة الأفكار حتى يصل إلى ما يبحث عنه. أما اليوم عبر ضغطة زر نحصل على ما نريد وكأنها طلب «تيك أواى» نحدد ما نريد معرفته، وفى ثوانٍ معدودة يصبح جاهزًا للاستهلاك دون أن نضطر إلى خوض رحلة البحث التى كانت تسبق الوصول إليه. لكن هناك ثمة فارقا فالوجبة الجاهزة تسد الجوع، بينما لا تعنى المعلومة الجاهزة بالضرورة أننا أصبحنا أكثر معرفة فقد نقرأ عشرات المقالات ونتنقل بين مئات المنشورات، ونتطلع على ملخصات لا حصر لها، ثم نكتشف أننا جمعنا الكثير من المعلومات من دون أن نفهم بالضرورة ما وراءها وهو ما وضعنا أمام مفارقة هامة وهى أنه كلما اتسعت قدرتنا على الوصول إلى المعلومات، ازدادت حاجتنا إلى التمييز بينها، وكلما تراجع الجهد اللازم للحصول عليها، ازدادت أهمية الجهد اللازم لفهمها.
• • •
لكن المعرفة لم تكن يومًا مجرد جمع للمعلومات ولم يكن الإنسان الأكثر معرفة هو بالضرورة من قرأ أكثر امتلك أكبر عدد من الحقائق، وإنما من امتلك القدرة على فهم ما يقرأ، وربط الوقائع بسياقاتها ورؤية ما وراء الأحداث الظاهرة، وإدراك أن الحقيقة فى كثير من الأحيان أكثر تعقيدًا مما تبدو عليه فى مراحل تكوينا المعرفى. وقد يقرأ شخص كتابًا واحدًا فيمنحه ذلك فهمًا جديدًا للحياة، بينما يقضى آخر ساعات طويلة فى متابعة مئات الموضوعات دون أن تتغير نظرته إلى شىء، لأن الفارق لا يكمن دائمًا فى حجم ما نستهلكه من معلومات وإنما فى المساحة التى نمنحها لها داخل عقولنا حتى تستقر وتتحول إلى فهم وسلوك. ومن المفارقات أن سهولة الوصول إلى الإجابات قد تجعلنا أقل صبرًا على الأسئلة نفسها، فنحن نريد تفسيرًا سريعًا لكل ما يحدث، وحكمًا واضحًا على كل قضية، وإجابة تختصر لنا مسارًا طويلًا من البحث والتفكير، وكأن قيمة السؤال تكمن فقط فى سرعة الوصول إلى إجابة عنه. لكن كثيرًا من القضايا لا تكشف عن حقيقتها من النظرة الأولى، وبعض الأسئلة لا يمكن فهمها من دون إعادة النظر فى افتراضاتنا بشأنها، فالمعرفة لا تبدأ دائمًا بامتلاك الإجابة، بل قد تبدأ من إدراك أن السؤال الذى نطرحه أبسط من الواقع الذى نحاول فهمه وأن ما يبدو واضحًا فى البداية قد يصبح أكثر تعقيدًا كلما تعمقنا فيه.
• • •
لقد غيرت وسائل التواصل الاجتماعى طبيعة علاقتنا بالمعرفة فلم يعد إنتاج المحتوى وتداوله حكرًا على المؤسسات العلمية أو الصحفية أو المتخصصين، بل أصبح كل فرد قادرًا على نشر أفكاره وتقديم تفسيراته للقضايا المختلفة، وهذا أمر جيد فى حد ذاته إذ يفتح المجال أمام تعدد الأصوات وتوسيع المشاركة فى النقاش العام، لكن المشكلة تبدأ عندما تختفى الحدود الفاصلة بين المعلومة والرأي، وبين التحليل والانطباع الشخصى فليس كل ما يُنشر حقيقة، وليس كل ما يحظى بانتشار واسع جديرًا بالثقة، كما أن الثقة التى تمنحها اللغة الواثقة لصاحبها لا تعنى بالضرورة أنه يمتلك معرفة كافية بما يتحدث عنه.
• • •
وفى هذا السياق ربما يكون الضجيج أحد أكثر الأشياء التى تهدد علاقتنا بالمعرفة فى هذا العصر ليس لأن كل ما يصل إلينا من معلومات غير صحيح، وإنما لأن كثرتها وسرعة تدفقها تجعل من الصعب أحيانًا التمييز بين الجدوى من عدمها، وبين ما يستحق التفكير وما لا يستحق، فكل قضية أصبحت محاطة بعشرات التفسيرات، وكل حدث يجد من يقدمه بوصفه دليلًا على وجهة نظر معينة، حتى أصبح الإنسان محاطًا أو ربما مضطرًا إلى الاستماع إلى أصوات كثيرة قبل أن تتاح له فرصة تكوين صوته الخاص، وقد ينتهى به الأمر إلى تبنى الرأى الأكثر انتشارًا أو الأكثر قدرة على إثارة مشاعره، لا الرأى الذى وصل إليه بعد بحث وتأمل وتدقيق.
• • •
قطعا ذلك لا يعنى الرغبة فى العودة إلى زمن كانت فيه المعلومة بعيدة وصعبة المنال، ولا أن نتعامل مع التكنولوجيا باعتبارها عائقًا أمام المعرفة فالتقدم الذى أتاح هذا القدر من الوصول إلى المعلومات يمثل فرصة حقيقية، لكن قيمة هذه الفرصة تتوقف على قدرتنا على استخدامها، نحن بحاجة إلى تعليم يشجع على السؤال لا على الحفظ وحده، وإلى ثقافة عامة تمنح التحليل قيمة أكبر من سرعة إطلاق الأحكام، وإلى وعى يجعل التحقق والتفكير النقدى جزءًا من علاقتنا اليومية بما نقرأ ونسمع ونشاهد. فالتحدى الأكبر أمام الإنسان المعاصر ليس أن يجد المعلومة التى يبحث عنها، بل أن يعرف أى المعلومات تستحق أن يتوقف عندها، وكيف يميز بين ما يملأ ذاكرته وما يوسع فهمه فبين ضغطة زر وأخرى، قد نعرف أسماء أكثر، ونقرأ أخبارًا أكثر، ونمتلك إجابات أكثر، من دون أن نصبح بالضرورة أكثر قدرة على تفسير العالم الذى نعيش فيه، فالمجتمعات لا تتقدم بمقدار ما تنتجه من معلومات أو تتداوله من آراء، وإنما بقدرتها على تحويل المعرفة إلى وعى، والوعى إلى فهم، والفهم إلى قدرة حقيقية على التعامل مع الواقع وتغييره.