نيويورك تايمز بعد ثلاث سنوات من حرب غزة.. ماذا تغير فى الخطاب؟

خالد عز العرب
خالد عز العرب

آخر تحديث: الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 - 6:20 م بتوقيت القاهرة

فى الأيام التالية لـ7 أكتوبر 2023 كتب مجلس تحرير جريدة نيويورك تايمز أن الهجوم يعد «تذكيرا مأساويا ومؤلما بمدى هشاشة وضع إسرائيل فى وقت تتصاعد فيه معاداة السامية عالميا؛ إذ اقتحم الإرهابيون السياج الحدودى دون سابق إنذار أو أى استفزاز مباشر».

كانت السمة الغالبة على مقالات الرأى فى الجريدة العتيدة خلال ذلك الأسبوع هى الشعور بالصدمة مما جرى وتفسيره على أرضية الحقد الأعمى تجاه إسرائيل، دون أى اشتباك جدى مع سياقه من ظلم يعانيه الفلسطينيون. وبينما كان هناك شبه إجماع على حتمية قيام إسرائيل برد عسكرى واسع، لم تتضمن المقالات إلا تحذيرات خافتة من الكلفة المحتملة لتلك العملية، وذلك رغم تصريحات المسئولين الإسرائيليين فى ذلك الوقت التى كانت تشير إلى دموية الانتقام المزمع.

يعتبر كثيرون أن نيويورك تايمز هى الجريدة المرجعية فى الولايات المتحدة، ولذلك يمكن للمرء أن يقرأ من خلال مقالات الرأى فيها ما طرأ على خطاب النخبة الأمريكية –لا سيما النخبة الليبرالية– من تطورات فى التعاطى مع الملف الفلسطينى الإسرائيلى منذ هجمات السابع من أكتوبر.

بمرور الوقت ومع سقوط عشرات الآلاف من الضحايا الفلسطينيين بدأ الخطاب يتغير بعض الشىء فى مقالات الرأى بالجريدة. فى الأسبوع التالى لـ7 أكتوبر 2024 نشرت نيويورك تايمز مقالا لمسنة إسرائيلية تحدثت فيه عن تجربتها الأليمة كواحدة من بين الرهائن الذين احتجزتهم حماس، ولكن الجريدة نشرت كذلك مقالا لطبيب فلسطينى فى غزة تحدث عن معاناة أطفال القطاع. وبينما حملت بعض المقالات تأييدا قويا لإسرائيل، شملت مقالات أخرى انتقادات ليس فقط لنتنياهو وحكومته وإنما كذلك للمجتمع والنظام السياسى الإسرائيلى.

أما الذكرى الثانية لبداية حرب الإبادة فقد ترافقت مع الإعلان عن اتفاق وقف إطلاق النار، وعلى صفحات نيويورك تايمز احتفى كُتاب الرأى بهذا الإعلان، بينما تباينت مواقفهم فى تقييم نتيجة الحرب بين من يرى أنها أثبتت صلابة إسرائيل وقوة عزمها، ومن يرى أنها انتهت إلى فشل نتنياهو فى تحقيق الأهداف التى روج لها من نصر كامل وتدمير لحماس.

ومع حلول الذكرى الثالثة الأسبوع الماضى تناولت الملف الفلسطينى الإسرائيلى خمس مقالات نشرتها نيويورك تايمز بين 4 و9 أكتوبر، وقد انشغل معظمها بمستقبل إسرائيل وأزماتها الداخلية وعزلتها الدولية، وإن تباينت مواقف كتابها وتفسيراتهم لهذه الأزمات.

فالكاتب بريت ستيفنز الذى يصف نفسه دوما بـ«المدافع الصلب» عن إسرائيل، ألقى باللائمة على أعداء الدولة العبرية فى الغرب خاصة بين اليسار «الذى لا يهدف إلى تغيير سياسات إسرائيل، بل إلى تدمير الدولة ذاتها». وفى مقال آخر شن ستيفنز هجوما لاذعا على عمدة نيويورك زهران ممدانى الذى أدان هجمات حماس فى ذكرى 7 أكتوبر، ولكنه تجرأ وأدان أيضا الإبادة الجماعية التى تلتها، وهو ما اعتبره ستيفنز "فحشا أخلاقيا" يهدف إلى التقليل من فظاعة الهجمات!

بينما اعتبرت شيرا إيفرون، وهى باحثة إسرائيلية معارضة لنتنياهو، أن رئيس الوزراء وحلفاءه المتشددين فى الحكومة الإسرائيلية هم المسئولون عن هذه العزلة بسبب حرب غزة والنشاط الاستيطانى فى الضفة الغربية. 

وتناول الباحث الإسرائيلى يوناتان توفال فى مقاله حالة الإنهاك التى أصابت المجتمع الإسرائيلى بعد ثلاث سنوات من الحرب، معربًا عن أمله فى أن تتيح الانتخابات المرتقبة للإسرائيليين الخروج من أزمتهم واستعادة الشعور بالأمان والاستقرار.

أما إريك ألترمان فكتب تحت عنوان «لقد فشلت أيباك»، مقالا يرصد تراجع نفوذ المنظمة الأهم فى اللوبى الإسرائيلى داخل الولايات المتحدة والسخط المتزايد تجاه الدولة العبرية حتى بين اليهود الأمريكيين –لا سيما الشباب منهم– بسبب ممارسات الحكومة الإسرائيلية.

واللافت أنه رغم تباين الميول السياسية للكُتاب الذين نشرت نيويورك تايمز مقالاتهم بالتزامن مع الذكرى الثالثة للحرب، فإنهم جميعا إما إسرائيليون وإما من اليهود الأمريكيين. وبغض النظر عن موقفهم من نتنياهو أو مدى تعاطفهم مع الفلسطينيين، فإن المقالات الخمسة تشترك فى مركزية إسرائيلية لافتة. فحتى حين يوجه بعضها الانتقادات إلى إسرائيل بسبب حرب غزة والاستيطان، فإن السؤال الرئيسى يظل متعلقًا بمستقبل الدولة العبرية، وعزلتها الدولية، وسبل الخروج من أزمتها، وليس بمستقبل الفلسطينيين أو حقوقهم.

وبينما لا نجد، على سبيل المثال، فى المقالات من يتبنى وصف ما جرى فى غزة بأنه إبادة جماعية، فإننا نجد من يهاجم الذين يستخدمون هذا الوصف، رغم أنه ما انتهى إليه تقرير رسمى من الأمم المتحدة... وبينما تناقش معظم المقالات تبعات الانتخابات الإسرائيلية المرتقبة على مستقبل الدولة العبرية، لا يناقش أى من المقالات مستقبل غزة أو إعادة إعمارها فى ظل «خطة سلام» ترامب المتعثرة.

وبمعنى آخر، فإن تجاهل المنظور الفلسطينى الذى اتسمت به مقالات الرأى فى نيويورك تايمز فى أعقاب 7 أكتوبر 2023، لا يزال يغلب إلى حد بعيد على مقالات الجريدة فى الذكرى الثالثة للحرب، وإن كان الاختلاف الرئيسى هو أن ذلك التجاهل اقترن فى المرة الأولى بتعاطف شديد مع الجانب الإسرائيلى، بينما يختلط هذه المرة بانتقادات قوية لحكومتها وإدراك لمدى عزلتها.

 

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved