مرحلة عراقية جديدة بانسحاب القوات الأمريكية

رخا أحمد حسن
رخا أحمد حسن

آخر تحديث: الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 - 6:15 م بتوقيت القاهرة

 

أعلن الرئيس الأمريكى ووزارة الحرب الأمريكية رسميًا اكتمال انسحاب القوات الأمريكية وقوات التحالف الدولى ضد داعش من العراق، وإنهاء عملية «العزم الصلب» فى 30 سبتمبر 2026، بعد مرور نحو 23 عامًا على الوجود العسكرى الأمريكى فى العراق منذ غزوه وإسقاط نظام صدام حسين فى عام 2003. ووجود التحالف الدولى لمحاربة داعش فى العراق وسوريا على مدى 12 عامًا، منذ تشكيله فى عام 2014 بقيادة أمريكية ومشاركة بريطانية وفرنسية وألمانية ودول أوروبية أخرى. 

وقد تم انسحاب القوات الأمريكية من العراق بناء على اتفاق عقدته إدارة بايدن الديمقراطية فى عام 2024 مع الحكومة العراقية، ونفذته إدارة ترامب الجمهورية. وسبق أن انسحبت القوات الأمريكية من أفغانستان بناء على اتفاق الدوحة فى قطر الذى عقدته إدارة ترامب الجمهورية مع حركة طالبان فى 29 فبراير 2020، ونفذته إدارة بايدن الديمقراطية فى 31 أغسطس2021. بما يدل على أنها سياسة أمريكية عامة بغض النظر عن الحزب الحاكم. وقد أعلنت وزارة الحرب الأمريكية أن القوات والمعدات الأمريكية أكملت «مغادرة منظمة» للقاعدة الجوية الأمريكية فى أربيل ــ كردستان العراق، وأن هذا الإنجاز يدل على نجاح حملة استمرت 12 عامًا، أسفرت عن هزيمة داعش باعتباره تنظيمًا يمثل تهديدًا عسكريًا فى العراق والمنطقة، وهو ما يمثل انتقالًا من مهمة ائتلافية إلى علاقات ثنائية مع العراق. 

وترأس على الزيدى رئيس وزراء العراق مراسم تسليم القاعدة العسكرية وانسحاب القوات الأمريكية، الذى وصفه بأنه بداية «مرحلة جديدة» تتسم «بسيادة العراق وقوة مؤسساته، وجاهزية قواته، ووحدة قراره، وشراكات متوازنة مع أصدقائه»، وأن القوات العراقية ستواصل محاربة تنظيم داعش، وستضمن عدم احتفاظ الجماعات غير التابعة للدولة بالأسلحة. وقال المستشار الأمنى لرئيس الوزراء العراقى أن العراق وصل إلى «محطة مهمة» بإنهاء مهمة التحالف الدولى، وانسحاب قواته من العراق، والانتقال إلى علاقات ثنائية مع دول التحالف، وأن هذه الخطوة تأتى استكمالًا للمفاوضات والتفاهمات التى بدأت فى 22 يوليو 2021، وأن الانتقال إلى العلاقات الثنائية «يرسخ السيادة، ويخدم المصالح الوطنية وتطلعات الشعب العراقى». وأن الانتصار على تنظيم داعش تحقق بتضحيات العراقيين والقوات المسلحة العراقية بمختلف تشكيلاتها، إلى جانب مساندة التحالف الدولى والدول الشقيقة والصديقة. وأن إنهاء مهمة التحالف لا يعنى «إنهاء الشراكة» وإنما الانتقال إلى علاقات ثنائية مع استمرار التعاون الأمنى والاستخباراتى، وتبادل المعلومات والخبراء، وبناء القدرات، وأن التعاون فى المرحلة المقبلة سيقوم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، بما يعزز الأمن والاستقرار ويدعم جهود التنمية فى العراق. 

• • •

ويلاحظ أن الولايات المتحدة الأمريكية بدت فى السنوات الأخيرة وكأنها تعمل على تحويل اهتمامها من الشرق الأوسط إلى الشرق الأقصى وجنوب شرقى آسيا، إلا أن هذه الرغبة فى هذا التحول لا يتوافق مع تناوب وزارة الحرب الأمريكية ما بين تقليص وجودها فى الشرق الأوسط، والانخراط مجددًا فى صراعات جديدة بما فى ذلك الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وحشد حاملات الطائرات الحربية والأساطيل والقوات الجوية الأمريكية فى البحار وفى قواعدها العسكرية فى الشرق الأوسط ودول أخرى مجاورة. وقد يبدو للوهلة الأولى أن انسحاب القوات الأمريكية من العراق مع استمرار الحرب الأمريكية على إيران، أمرًا متناقضًا، إلا أن ما حدث هو إعادة توزيع القوات الأمريكية التى انسحبت من العراق ما بين القاعدة الأمريكية فى الأردن ودول أخرى وكلها مجاورة أو قريبة من العراق ومن الحرب على إيران. هذا إلى جانب استمرار التعاون الأمنى والعسكرى الشامل مع العراق. 

وقد اعتبر ترامب أن انخراط الولايات المتحدة عسكريًا فى العراق جاء نتيجة «قرارات سيئة للغاية» وأنها مرحلة ستصبح جزءا من التاريخ. وأعرب عن أمله فى أن يتمكن رئيس وزراء العراق، الذى يدعمه، من إدارة المرحلة المقبلة «بشكل جيد للغاية» ووصف انسحاب القوات الأمريكية من العراق بأنه «نهاية رحلة إلى الجحيم مكلفة للغاية» واعتبر ذلك انتصارًا للولايات المتحدة والعراق على تنظيم داعش. 

وبينما احتفلت الحكومة العراقية بانسحاب القوات الأمريكية واعتبرته «يوم السيادة» واحتفلت به عدة هيئات والسفارات العراقية فى الخارج، كما رحبت به الفصائل العراقية المسلحة المدعومة من إيران. ولكنه أثار مخاوف لدى طوائف عراقية خاصة إقليم كردستان العراق، الذين يخشون عودة ظهور تنظيم داعش، وتعرضهم لمزيد من الهجمات من الجماعات المرتبطة بإيران التى قد تتشجع بعد رحيل القوات الأمريكية. كما قد تستمر الفصائل العراقية المسلحة الموالية لإيران، خاصة كتائب حزب الله العراقى، وهى من أقوى وأكبر الميليشيات عددًا وتسليحًا ونفوذًا، فى معارضة تسليم سلاحها فى إطار خطة الحكومة العراقية لحصر السلاح بيد الدولة، وقال أمينها العام أن المقاومة الظافرة انتصرت فى هذه الجولة على الاحتلال الأمريكى، وأن المنتصر هو من يفرض شروطه على العدو وقال إنه يمكن «أن يكون القرار الأساسى (العراقى) فى السلم والحرب واحدًا، أو على الأقل متفق عليه». وهذا قد يكون مؤشرا على توجه لعدم تسليم السلاح للحكومة والاكتفاء بالاتفاق على التنسيق معها فى قرارات السلم والحرب. وهو ما يدل على مدى التحدى الذى تواجهه الحكومة العراقية لاستكمال نزع سلاح الفصائل المسلحة وتمديدها المهلة الممنوحة للفصائل لتسليم سلاحها من 30 سبتمبر 2026 إلى يونيو 2027، والتأكيد على أن العملية ستتم من خلال الحوار والتفاهم وليس عن طريق المواجهة. وترى الحكومة العراقية أن انتهاء الظروف التى استدعت حمل السلاح والاحتفاظ به، يوفر أساسًا للانتقال إلى مرحلة يكون فيها قرار استخدام القوة محصورًا فى مؤسسات الدولة. 

• • •

يلاحظ أن انسحاب القوات الأمريكية المقاتلة الأساسى سبق أن تم فى عام 2011 لأسباب سياسية واقتصادية أمريكية داخلية، وللوفاء بوعود انتخابية تقضى بوقف استنزاف الموارد  البشرية والمالية الأمريكية فى حروب فى الشرق الأوسط. واتخذ قرار الانسحاب وقتئذ تحت وطأة أزمات اقتصادية أمريكية، وانتقادات داخلية واسعة لجدوى استمرار الوجود العسكرى الأمريكى المباشر فى الشرق الأوسط. وقد استغل تنظيم داعش وقتئذ الانسحاب الأمريكى وسيطر على مساحات واسعة من العراق فى عام 2014، مما استدعى عودة القوات الأمريكية بطلب عراقى ضمن تحالف دولى لمحاربة داعش. وتوسع العراق فى السماح بتشكيل العديد من الفصائل العراقية المسلحة والحشد الشعبى لمواجهة داعش بالتعاون مع الجيش العراقى وقوات التحالف الدولى. كما سمح بانضمام متطوعين إيرانيين إلى بعض الفصائل العراقية، وتغاضت واشنطن عن ذلك فى إطار محاربة داعش. وقد أدى ذلك إلى دعم الوجود والنفوذ الإيرانى فى العراق، وسبق أن قدمت الولايات المتحدة أكبر هدية لإيران بغزوها العراق وإسقاط عدوها اللدود صدام حسين. ولطالما سعى كل من العراق وإيران، بعد ذلك، سعيًا حثيثًا من أجل انسحاب القوات الأمريكية من العراق. ويؤكد العراق دائمًا أنه لا يريد أن تتحول أراضيه إلى ساحة للصراع ومنطلق لأعمال تستهدف دولًا أخرى، وأنه يتبنى سياسة حسن الجوار، وعدم التدخل فى شئون الدول، مع رفض استخدام أراضيه ممرًا أو قاعدة للاعتداء على دول المنطقة. ويعانى العراق أمنيًا واقتصاديًا وسياسيًا من تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وما يترتب على إغلاق مضيق هرمز من عدم قدرته على تصدير الجزء الأكبر من إنتاجه من البترول، وطلب رسميًا من إيران السماح بمرور ناقلات البترول العراقى من مضيق هرمز واستثنائها من الحظر الذى تفرضه على المضيق فى مواجهة الحصار البحرى الأمريكى للموانئ الإيرانية وعدم السماح لها بتصدير بترولها. 

• • •

وقد رحبت إيران أشد ترحيب باستكمال انسحاب القوات الأمريكية من العراق، واعتبرته خطوة بالغة الأهمية «لترسيخ السيادة الوطنية العراقية». واعتبر الحرس الثورى الإيرانى أن خروج القوات الأمريكية من العراق «انتصارًا تاريخيًا». وأصدرت الخارجية الإيرانية بيانًا حملت فيه الوجود العسكرى الأمريكى مسئولية العنف والانقسامات فى العراق، وطالبت بمحاسبة الإدارة الأمريكية على تداعيات غزوها للعراق فى 2003. وقد تسعى إيران لملء الفراغ الأمنى والسياسى الذى تركه الانسحاب الأمريكى، وزيادة حرية الفصائل العراقية المسلحة الموالية لإيران، وازدياد الأهمية الاستراتيجية للعراق ارتباطًا بالأمن والمصالح الإيرانية فى أى مواجهات إقليمية مقبلة. 

ولكن الانسحاب العسكرى الأمريكى من العراق لا يعنى أن إيران تلقائيًا ستشغل مكانها أو تستبدل النفوذ الأمريكى وتحقق المزيد من جذب العراق أكثر نحو طهران، حيث إن الأوضاع الإيرانية الاقتصادية والسياسية والعسكرية تجعلها حاليًا مستوعبة بدرجة عالية فى مواجهة الحرب الأمريكية عليها والعقوبات الشاملة المفروضة عليها، والتركيز بقوة على تأمين الجبهة الإيرانية الداخلية والصمود فى مواجهة الولايات المتحدة الأمريكية. والأرجح أن تعمل واشنطن على استمرارية وجودها القوى فى العراق فى مواجهة إيران أمنيًا واقتصاديًا وسياسيًا، وتقديم الدعم فى العديد من المجالات للحكومة العراقية. 

قد أدى انسحاب القوات الأمريكية وقوات التحالف ضد داعش من العراق إلى تخفيف عبء تحدى رفض داخلى، ورفض إيرانى لوجودها. ولكن بقيت تحديات أخرى ليست هينة أمام الحكومة العراقية، من بينها المحافظة على التوازن فى العلاقات مع كل من واشنطن وطهران، والسعى لمعالجة تداعيات الحرب الأمريكية على العراق، والتغلب على صعوبات نزع سلاح الفصائل المسلحة الموالية لإيران، وفى المقدمة من ذلك كله تحقيق حالة من الوفاق الداخلى فى العراق، بين الحكومة المركزية فى بغداد وحكومة إقليم كردستان العراق، وبين الكتل والأحزاب السياسية الشيعية المتنافسة فيما بينها، وبينها والكتل والأحزاب السياسية السنية، حتى يتمكن العراق من تركيز جهوده الرئيسية على عملية التنمية الشاملة اقتصاديًا وسياسيًا وأمنيًا وعسكريًا، واستكمال عملية إعادة الإعمار. 

مساعد وزير الخارجية الأسبق

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved