«فهلوة» خلط الأوراق

علي محمد فخرو
علي محمد فخرو

آخر تحديث: الخميس 13 نوفمبر 2014 - 8:50 ص بتوقيت القاهرة

تتميز مجتمعاتنا العربية بقدرة ملفتة على تقبُل لعبة خلط الأوراق عند التعامل مع إيديولوجياتها وقضاياها الكبرى. وهى لعبة استعملها بحذق، مارسوا الفهلوة الفكرية والسياسية، عبر تاريخنا وحاضرنا، لإدخال الشعوب العربية فى دهاليز فرعية أو هامشية من أجل تمييع أو نسيان أو تشويه الموضوع الأصلى. لنأخذ الأمثلة التالية لتوضيح خطورة هذه الظاهرة.

أولا، بعد الإطاحة بمؤسَستى الحكم الإستبدادى فى تونس ومصر قادت انتخابات حرة ونزيهة إلى صعود الإخوان المسلمين فى مصر والنهضة فى تونس إلى سدة سلطة التشريع والحكم. ما حدث كان شيئا طبيعيا ومتوقعا فى مجتمعات متعلقة غالبيتها بالثقافة الإسلامية عبر القرون.

لكن الحركتين ارتكبتا أخطاء سياسية عديدة عندما لم تدركا أن الفترات الانتقالية، بعد الحراكات الثورية الكبيرة، تحتاج أن تدار وتحكم من خلال التعاون والتوافق مع الآخرين، وذلك إلى حين الوصول إلى أهداف تلك الحراكات واستقرار أحوال المجتمعات. عند ذاك يمكن الدخول فى لعبة التنافس والخلافات.

لكن ما أن حدثت تلك الأخطاء وتذمرت الشعوب حتى أطلت الفهلوة الفكرية والسياسية برأسها لتضيع الموضوع الأصلى، وهو الديمقراطية، ولتخلط الأوراق. لقد تم نبش كل أخطاء الإسلام السياسى فى الماضى، واستشهد بأقوال عفى عليها الزمن لبعض قادته الذين أصبحوا من الأموات، وابتسرت اجتهادات فقهية طرحت منذ قرون، وأقحمت نفسها جهات لها معاركها وثأراتها الخاصة مع هذه الحركة الإسلامية أو تلك فاختلط الحابل بالنابل، وأدخلت الاستخبارات الأجنبية عملاءها التكفيريين المجرمين فى الساحة فتشابك الخارج مع الداخل.

لقد أصبحنا اليوم أمام حملة تضليلية شرسة لإقناع المواطن العربى بأنه أمام خيارين لا ثالث لهما: إذا اختار الديمقراطية فإنه لن يرى أمامه سوى الإسلام السياسى، وإذا كان لا يريد الإسلام السياسى فعليه أن يقبل بحكم اليد الأمنية الباطشة.

أما الحقيقة البديهية الأصلية، والتى خبرتها مجتمعات أخرى كثيرة، والمؤكدة أنه مثلما جاءت الانتخابات الديمقراطية النزيهة العادلة بقوى الإسلام السياسى فإنها ستكون قادرة فى المستقبل على استبدالهم بآخرين يحملون أفكارا ومنهجية سياسية مختلفة، أما هذه البديهية فقد ضاعت ونسيت ومعها نسى الناس هدف ثورات وحراكات الربيع العربى: الانتقال إلى الديمقراطية الشاملة العادلة.

•••

ثانيا، فى بداية الخمسينيات من القرن الماضى طرح الزعيم الراحل جمال عبدالناصر المشروع القومى العربى الناصرى لنقل الوطن العربى من التجزئة إلى الوحدة، من الاستعمار والتبعية إلى الاستقلال الوطنى والقومى، من التخلف الاقتصادى إلى التنمية، ومن استغلال وفقر الملايين من الشعوب العربية إلى عدالة اجتماعية شاملة.

وراء المشروع وقفت إمكانات دولة القطر المصرى الهائلة وأحزاب وحركات قومية فى طول الوطن العربى وعرضه والملايين من جماهير الشعب العربى. آنذاك تحقق الكثير، وكان المستقبل يعد بالكثير.

لكن مؤامرات الخارج وقوى الداخل الرجعية الفاسدة، وتعدُّد الأخطاء فى الممارسات وموت بطل المشروع أدت إلى تراجع، ثم توقف، تلك الموجة التاريخية القومية الواعدة.

مرة أخرى أطلت الفهلوة الفكرية والسياسية برأسها لتخلط الأوراق من خلال التركيز المتعمد على الأخطاء فى الممارسات ونقاط الضعف وتفريغ الذاكرة الجمعية العربية من الإنجازات المبهرة حتى ينسى الناس الموضوع الأصلى التاريخى: طريق نهوض الأمة العربية من خلال وحدتها وتحررها وتنميتها الذاتية واعتماد العدالة الاجتماعية نهجا فى حياتها.

هذا الإصرار العجيب عند البعض لاستعمال أى أخطاء أو نقاط ضعف فى المشاريع والحراكات العربية الكبرى، وذلك من أجل تدميرها أو إيقاف مسيرتها وإخراجها من الذاكرة الجمعية للشعوب، بدلا من تحليل أخطائها بموضوعية وتقديم الحلول المساعدة لمسيرتها، هذا الإصرار الانتهازى عند بعض المفكرين والكتاب والإعلاميين العرب ينذر باقترابهم من ممارسة رذيلة وعار الخيانة لأحلام وتطلعات أمتهم، ويضعهم فى خندق القوى الامبريالية والصهيونية التى لا تريد لهذه الأمة أن تتوحّد وتتحرّر وتتقدُّم.

•••

ثالثا، نفس الممارسة طبقت على حدث تاريخى كبير حدث فوق أرض كربلاء. فالشهيد الإمام الحسين بن على، رضى الله عنه، لم يمت كضحية مكسورة تستجدى قليلا من الماء لأهلها، وتبكى دمعا على ما حل بهم. لقد مات واقفا كبطل تاريخى محارب من أجل مشروع إصلاحى لأمة الإسلام جميعها وفضُّل موت العزّة والكرامة على ذلُ الحياة المنكسرة.

لكن بدلا من أن تصبح ذكرى موته السنوية تمجيدا للبطولة الثورية وتجييشا لها فى نفوس وعقول كل المسلمين والعرب، وإصرارا على نهج الإصلاحات الجذرية فى وجه الاستبداد والفساد، بدلا من أن تكون الذكرى ألقا إيمانيا وسياسيا بامتياز قلبه البعض إلى قصص جانبية وأحيانا متخيلة وبكائيات، ووجهوا مشاعر الغضب والاستياء نحو مماحكات السياسة الحقيرة التاريخية التى رافقت ذلك الحدث التمردى العظيم.

هذا الخلط للأوراق إبان تلك المناسبة الرامزة لعبق البطولة والتضحيات المرفوعة الرأس السامية بالنفس البشرية نحو الأعلى والأفضل والأنقى يضيع الموضوع الأصلى ويشوَهه فى دهاليز فرعية تنتقص من قيمته.

الأمل فى شباب ثورات وحراكات الربيع العربى، قادة المستقبل، ألا يدخلوا قط دهاليز الضياع، ويركزوا مشاعرهم وعقولهم ليل نهار على أصل المواضيع الكبرى فى حياة أمتهم.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2019 ShoroukNews. All rights reserved