حماية الدولة العميقة

سيف الدين عبدالفتاح
سيف الدين عبدالفتاح

آخر تحديث: الجمعة 14 فبراير 2014 - 4:55 ص بتوقيت القاهرة

لابد وأن نشير بعد أن فتحت ثورة 25 يناير «الصندوق الأسود» المتعلق بالنظام السياسى المصرى وأضاءت بعضا من عتمته وظلمته فإن المشهد الذى يسيطر على الساحة الآن هو تلك المحاكمات التى تقوم بها المنظومة الانقلابية والتى تتعلق بحكم السنة الأخيرة فيما قبل الثالث من يوليو؛ إن المشهد الذى أريد أن يسيطر ويتقدم الصورة تلك المحاكمات الانتقامية والانتقائية الزائفة بغطاء قانونى وقضائى، إنها محاكمات المنظومة الانقلابية التى أسفرت عن محاكمة الثورة المضادة لفترة السنة الأخيرة للرئيس المدنى المنتخب؛ وهى إذ تركز على هذا المشهد الأخير من مرحلة انتقالية تهمل وتغفل المحاكمات والتى تتعلق بقتل المتظاهرين أيضا فى فترة الرئيس المخلوع مبارك وفى الفترة الأولى للمجلس العسكرى التى أعقبت ثورة 25 يناير وما تبعها من أحداث سقط فيها المزيد ولكن لم تحرك أى مسارات لمحاكمة هذه الفترة وما وقع فيها.

إن هذه الانتقائية إنما تعبر عن خيار المنظومة الانقلابية للدولة العميقة ومن يمثلها ومحاولة اتهام وتجريم كل من تجرأ على حياضها أو أراد أن يغير بعضا من معادلاتها، الأمر إذن يتعلق بحماية الدولة العميقة وأسسها ومفاصلها، وحماية الأمن القومى كما تقرره بعض القوى للمصالح الدفينة لقوى الثورة المضادة التى تشكل كيان الدولة العميقة وقدراتها، وصناعة الكراهية وكذا صناعة الاتهام من خلال دعاوى الإرهاب وخلافه، وضمن بيئة تصنع الإرهاب كصفة لكل من يقف ضد الانقلاب والحالة الانقلابية، إلا أن أخطر من كل ذلك هو تقسيم الشعب إلى أكثر من شعب، والتعامل مع المؤسسات كحالة شعوبية فى إطار من اضفاء الدسترة على أوضاع تجعلها مراكز القوى داخل الدولة وفى اطار من المجاملة وإدارتها ضمن أدوات المنظومة الانقلابية.

لاشك أننا نستطيع أن نفهم الموضوعات التى حركت المنظومة الانقلابية من خلال مدخل الصندوق الأسود فى إطار كشف المستور والتعامل الحقيقى مع المسكوت عنه فى حركة التعامل السياسى ضمن مؤسسات دولة عميقة حملت تحالفات ومصالح وأهداف الثورة المضادة، وصارت الأمور لا يمكن التفرقة فيما بين الثورة الحقيقية التى حوصرت وشوهت وبين ثورة مضادة أطلت برأسها ونظمت صفوفها.

•••

إن المعركة الحقيقية لابد وأن تكون مع الصندوق الأسود الذى تحميه الآن الثورة المضادة ما يعتمل فيه وما يمثله من تحالفات وما يحمله من مصالح، معركتنا الحقيقية مع الدولة العميقة بكل مفاصلها، وكل قدراتها، وما تضرب به فى أرض الوطن من جذورها، معركتنا مع الثورة المضادة بكل تجمعاتها وبكل أهدافها، مواجهة هذه الثورة المضادة لثورة يناير والتى تهدف تشويه كل رموز هذه الثورة وكل مكتسباتها، معركتنا من أجل استعادة الثورة الحقيقية لا تلك الزائفة التى تحاول قوى معينة أن تتحدث عن تصحيح مسار ثورة 25 يناير وهى فى حقيقة الأمر تهدمها وتنقضها، استعادة الثورة لا يكون إلا باستيعاب معطيات مستجدة، وابداع آليات جديدة، ورسم مسارات مبدعة.

إن هذه المعركة فى النهاية لابد وأن تحرك رؤية استراتيجية واضحة تضمن لهذه الثورة الحفاظ على مساراتها وتحصين قدراتها وبلوغ أهدافها، تقوم بفتح الصندوق الأسود للإعلام الذى أسهم ومن كل طريق فى صناعة الكراهية وتبرير الاتهامات وصناعة الأوصاف حتى وصلت إلى قمتها بوصف الإرهاب، وصناعة الحالة الغوغائية ضمن حالة عشوائية، وصناعة العنصرية الفاشية، وتبرير الدولة القمعية والاستبدادية.

علينا أيضا أن نملك رؤية استراتيجية لنقيم صرح العدالة المنشود؛ عدالة ناجزة وقضاء فاعل مستقل، وعدالة انتقالية فاعلة تقدم رؤية استراتيجية كلية شاملة لملف القصاص والشهداء والمصابين، وكذلك رؤية تفصيلية قابلة للتطبيق لملف العدالة الاجتماعية وقيام الدولة بوظيفتها التوزيعية، علينا هنا أن نفتح الصندوق الأسود لعمليات العدالة للبحث فى الموانع فى مفاصل الدولة التى تمنع القيام بجدية فى تطبيق هذه الاستراتيجيات وتنفيذ هذه السياسات.

فتح كل هذه الصناديق هو الذى سيفتح كل الصناديق السوداء التى شكلتها منظومات الاستبداد، وشبكات الفساد، ودولة العواجيز، ومؤسسات الديكور والمجتمع والدولة القمعية البوليسية، والغطاء الشبابى المصطنع، والظهير الشعبى المستغل، وتشكيل رأى عام يتسم بالغوغائية وعقلية القطيع والدهماء، وعمليات التبرير والشرعنة والدسترة، وصناعة الموافقة، وهندسة القبول، وصياغة الإذعان.

وكذا الصندوق الإعلامى الصانع للكراهية والمُشيع للكذب، وصندوق المثقفين وعلماء دين ينطقون نفاقا ومدحا وغزلا، أخطر مافى ذلك علماء يفتون بتطليق الإخوانية، وآخر يوزع الرسالة والنبوة فى خطاب نفاق مريع.

غاية الأمر أن المحاولات التى دارت قامت على قاعدة من تسميم المفاهيم الأساسية فى هذا المقام فغيرت من مضامينها ومحتواها وحملتها بحمولات مواتية لحالات استخدام القوة والعنف ضمن هذه المنظومة، وصار هذا المعجم بما يحمله من كلمات مغشوشة ومعان زائفة يحكم عناصر الصورة فى اطار جهاز إعلامى يروج لكل ما يتعلق بتشكيل الرضا الكاذب، أو صناعة الموافقة الزائفة؛ كان من أهم هذه المفاهيم (الشعب، الدولة، الأمن القومى، الشرعية، الثورة، المواطنة، الانقلاب، العلاقات المدنية العسكرية، المعارضة، الدستور والدسترة، التحصين والتفويض، سياسة الحشود، توظيف الآليات الديمقراطية والتى همشت أحيانا واعتمدت فى أحايين أخرى، التوافق والتوافقية، التظاهر والاحتجاجات والاضرابات كأدوات احتجاجية) فى محاولة للتشويش والتعتيم على حالة الصندوق الأسود الذى عاد مع الحالة الانقلابية ونقول هنا وبأعلى صوت: هل من الممكن التعرف على مفتاح الصندوق الأسود حينما نقرأ هذه الحالة الانقلابية والثورية بمناسبة هذه المحاكمات الانتقائية والانتقامية؟

دعونا إذن نجيب عن هذا التساؤل بتساؤل يحتاج لإجابة واعية وبصيرة: هل يمكننا التفكير مرة أخرى خارج الصندوق، كما كان التفكير إبان ثورة 25 يناير فى إطار معطيات جديدة وآليات مبدعة، وأهداف وقيم ثابتة للثورة الحقيقية؟ هنا فقط سنعرف للثورة مقامها وللصندوق الأسود المحمى بالثورة المضادة والدولة العميقة خطورته والقدرة على ابتداع مفاتيح جديدة للتعامل معه ضمن حالة ثورية ممتدة.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2024 ShoroukNews. All rights reserved