حدود أوباما!

محمد عصمت
محمد عصمت

آخر تحديث: الخميس 14 مايو 2009 - 5:27 م بتوقيت القاهرة

 تجىء زيارة أوباما المرتقبة إلى مصر.. فى ظل مناخ أمريكى ينتقد بعنف «سوء سلوك» حكومتنا الديمقراطى، ويتهمها بالتضييق على المعارضين وكبت الحريات الدينية المفترض أن يتمتع بها الأقباط والبهائيون.. لدرجة أن كبرى صحف واشنطن ونيويورك تطالب البيت الأبيض بقطع المعونات الاقتصادية، للضغط على القاهرة لتحسين سجلها فى مجال حقوق الإنسان، كما أنها تفتح صفحاتها لتبنى قضيتى سعد الدين إبراهيم وأيمن نور بتعاطف يبدو مبالغا فيه.

وبالقطع، لا أحد يتوقع أن تحل زيارة أوباما الملفات العالقة بين البلدين، ومها كان أوباما يعد بالتغيير الذى رفعه شعارا لحملته الانتخابية.. فإنه فى النهاية ابن المؤسسة السياسية الأمريكية التى ترى فى إسرائيل النموذج التاريخى والدينى لأمريكا نفسها.. فكما عاد اليهود إلى أرض الميعاد فى أورشليم تتنفيذا لمشيئة الرب طبقا لتفسيرهم للكتاب المقدس، فان أجداد الأمريكيين ذهبوا إلى الأرض الجديدة التى اكتشفها كولومبس وكأنها أرض الميعاد الجديدة التى وعدهم بها الله.. وأوباما ــ رغم جذوره الإسلامية ــ هو ابن بار لهذه الفلسفة التى تعتقد بهذه التوءمة التى تربط بين ولادة إسرائيل وأمريكا.. وأوباما نفسه أول من يدرك انه لن يبقى حيا فى البيت الأبيض ساعة واحدة إذا خرج عن النص وخالف هذه الوصايا والتعليمات..!

وقد كان يمكن للحكومات المصرية المتعاقبة خلال حكمى السادات ومبارك أن ترسى علاقات قوية فعلا مع واشنطن، بأن تتخذ خطوات لبناء نظام ديمقراطى حقيقى فى مصر يقوم على عقد اجتماعى جديد يعيد توزيع الثروة الوطنية بشكل أكثر عدالة، كما يتيح تبادل السلطة بين القوى والأحزاب السياسية المختلفة، طبقا لانتخابات حرة ونزيهة.. إلا أن هذه الحكومات عوضا عن هذه الوصفة، تمسكت بالسلطة وفق انتخابات مزورة وهى ترفع فزاعة التطرف الإسلامى لضرب أى تطور ديمقراطى حقيقى، ولتخويف الأمريكيين ــ من جهة أخرى ــ من سيطرة هؤلاء المتطرفين على الحكم فى مصر.

أرادت حكوماتنا المتعاقبة عنب الشام وبلح اليمن معا، وهو ما لا تستطيع تحقيقه أو الوصول إليه، ففقدت مصداقيتها الديمقراطية فى الداخل والخارج، كما فقدت أيضا أى إمكانية حقيقية لبناء علاقات استراتيجية حقيقة قالت ــ منذ حرب أكتوبر وحتى الآن ــ إنها تريد إقامتها مع واشنطن!!

وفى ظل كل هذه الخلفيات، لن يستطيع أحد الرهان على فتح حقيقى فى العلاقات الأمريكية العربية بزيارة أوباما للقاهرة، ستبقى الزيارة مجرد خطوة رمزية تريد من خلالها الإدارة الأمريكية الجديدة أن تبيع «النبيذ القديم فى زجاجات جديدة» كما يقول المثل الفرنسى.. فبدلا من الأساليب الهمجية التى اتبعها بوش والتى تذكرنا بالغرب الأمريكى، يأتى أوباما لينفذ نفس السياسات الأمريكية ولكن بطرقة أكثر تحضرا وعقلانية واحتراما للآخرين..!

ومع أهمية زيارة أوباما حتى على المستوى الرمزى.. الآن الدرس الذى يجب أن نتعلمه هو أن تغيير السياسة الأمريكية تجاه الصراع العربى الإسرائيلى لن يتحدد فى واشنطن، ولكن هنا فى القاهرة وبقية العواصم العربية بإقامة نظم ديمقراطية حقيقية، تختفى فيها ظاهرة الزعماء التاريخيين المخلدين!

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2021 ShoroukNews. All rights reserved