دليل الناخب الذكى للاختيار بين مرشحى الرئاسة فى مصر

مصطفى كامل السيد
مصطفى كامل السيد

آخر تحديث: الإثنين 14 مايو 2012 - 8:40 ص بتوقيت القاهرة

عجيبة هذه الانتخابات التى تجرى حملاتها على قدم وساق فى مصر. المفاجآت فيها كثيرة ومتلاحقة، ومواطنون فى جميع أنحاء البلاد يتساءلون ما إذا كانت ستجرى حقا. وما إذا كان كل المرشحين الثلاثة عشر سوف يجد الناخبون أسماءهم على بطاقات التصويت عندما يذهبون فى الأيام الموعودة للإدلاء بأصواتهم، وليس السبب فى ذلك أن واحدا منهم يتعقبه بعض نواب مجلس الشعب لإخراجه من السباق بدعوى أنه من الفلول الذى وضع مجلس الشعب بعد أن بدأ الترشح للانتخابات تعديلا على قانون مباشرة الحقوق السياسية بهدف استبعاده، بل لأن البعض ما زالت تراودهم هذه الرغبة غير الواقعية أن يتنازل بعض المرشحين ممن يجمعهم تيار فكرى واحد لأحدهم الذى قد يبدو أوفر حظا فى الحصول على تأييد أكبر وسط الناخبين، ومع ذلك فمن المشكوك كثيرا أن ينسحب أى من المرشحين الثلاثة عشر قبل إعلان نتيجة الجولة الأولى من الانتخابات. دعك من أن بعض المرشحين فى دول أخرى يخوضون الانتخابات ليس بالضرورة بهدف الفوز بمقعد نيابى أو بمنصب رئيس الدولة، ولكن بهدف نشر أفكار حزبهم وبناء تنظيمه فى جميع أرجاء الوطن بتجنيد مواطنين ممن يؤمنون بأفكار هذا الحزب أو لكى ينشروا أفكار التيار الفكرى الذى ينتمون إليه وسط المواطنين. لا أظن أن هذا الاعتبار يشغل المرشحين الذين تشير استطلاعات الرأى أنهم قد يكونون أقل حظا فى النفاذ إلى الجولة الثانية. هناك مباهج أخرى يتمتع بها المرشح فى هذه الانتخابات، هو يكسب شهرة، ويجنى جاها، وتحظى أقواله وأفعاله بالمتابعة من قنوات التليفزيون والصحف، ويجد أفكاره موضع الاهتمام من أجهزة الإعلام والمواطنين، وهى كلها مزايا سيفقدها بكل تأكيد لو لم يكن مرشحا، وخصوصا إذا لم يكن يتمتع بمواهب فى الكتابة أو الحديث، أو لم يكن يتولى منصبا رفيعا يجعله محط انتباه هذه الأجهزة. فلماذا يتخلى إذا عن هذا المجد، وهو مجد عمره قصير، فسوف تنصرف عنه كل هذه الأجهزة بمجرد انتهاء المعركة الانتخابية، وربما بانتهاء جولتها الأولى، والتى سيخرج منها معظم هؤلاء المرشحين صفر اليدين، أو صفر الأصوات.

 

 

ماذا يفعل الناخبون فى الدول الأخرى؟

 

قد يكون فى معرفة سلوك الناخبين فى الدول الأخرى التى استقرت فيها نطم الديمقراطية الليبرالية طريق للإجابة عن هذا السؤال. نعرف كيف يسلكون، ونقارن ذلك بما يمكن أن يفعله الناخب المصرى. يقول علماء السياسة الذين تعمقوا فى دراسة السلوك الانتخابى فى مثل هذه الدول أنه بالإضافة إلى خصائص الناخب نفسه من حيث درجة تعليمه ومستوى دخله ونوع عمله وسنه ونوعه وانتماءاته الطبقية والعرقية، فإن الناخبين يفاضلون بين المرشحين على أساس العقيدة السياسية التى يحملها المرشح ويعبر عنها، وعلى أساس برنامجه الذى يطرحه لحل المشاكل الملحة التى تواجه المواطنين، وأخيرا على أساس شخصية المرشح ومدى جاذبيته للناخبين رجالا ونساء.

 

خذ على سبيل المثال الانتخابات الفرنسية الأخيرة والتى تنافس فيها فى جولتها الثانية كل من فرنسوا أولاند الاشتراكى والرئيس السابق نيكولا ساركوزى اليمينى. هناك من كانوا سيؤيدون أى مرشح يطرحه الحزب الاشتراكى الفرنسى باعتباره سيدافع عن العقيدة الاشتراكية لهذا الحزب، وهناك من كانوا سيؤيدون أى مرشح آخر يدافع عن نفس الأفكار الرأسمالية التى حمل ساركوزى لواءها. ولكن هؤلاء الذين يلتزمون بعقيدة سياسية صارمة أصبحوا أقلية فى الدول المتقدمة أو هم فى طريقهم لأن يصبحوا كذلك، وهو مايسميه البعض بعصر سقوط الإيديولوجيات فى الدول المتقدمة، وهى مقولة ليست صحيحة تماما، ولكن فى كل الأحوال هناك من يدلون بأصواتهم على اساس عقيدتهم السياسية. وليس هذا هو المحدد الوحيد لتفضيلات الناخبين، فهناك أيضا البرامج التى يطرحها هؤلاء المرشحون. ولا شك أن أغلبية من الفرنسيين، ومنهم بعض من كانوا لا يعتبرون أنفسهم اشتراكيين ذهبوا إلى أن البرنامج الذى طرحه أولاند والذى يدعو إلى التوسع فى الإنفاق الاجتماعى من جانب الدولة هو أفضل فى مواجهة الأزمة الاقتصادية التى تمر بها فرنسا، ومعها معظم الدول الأوروبية، وذلك بالمقارنة بالبرنامج التقشفى الذى طرحه  ساركوزى، وهناك آخرون ربما لم يهتموا كثيرا لا بعقيدة أولاند الاشتراكية أو برنامجه التوسعى، ولكنهم انجذبوا إلى شخصيته التى تبدو أكثر صدقا واتساقا من شخصية ساركوزى المتقلبة.

 

هل يمكن أن يكون ذلك دليلا لفهم سلوك الناخب المصرى فى الأسابيع القادمة. لا شك أن اعتبار العقيدة السياسية هو محدد مهم لأنماط التصويت. هناك كثيرون سيدلون بأصواتهم لصالح عبدالمنعم أبوالفتوح ودكتور محمد مرسى والدكتور محمد سليم العوّا دون أن يهتموا بمعرفة برامجهم ولا يعيرون اهتماما لجاذبيتهم الشخصية، وإنما لأنهم جميعا، بما فى ذلك بكل تأكيد أولهم، يؤكدون التزامهم بمشروع إسلامى. وقد تكون هذه هى الكتلة الأكبر من الناخبين والتى قد تحدد نتيجة الانتخابات، وخصوصا فى الجولة الثانية عندما يواجه واحد منهم، وقد يكون غالبا هو الدكتور عبدالمنعم أبوالفتوح، حسبما تشير استطلاعات عديدة وجادة، مرشحا آخر لا ينتمى بالضرورة لتيار الإسلام السياسى، ولا يبدو أن البرامج تلعب دورا كبيرا فى حسم اختيارات الناخبين فى مصر، وهم معذورون فى ذلك، فالبرامج متشابهة إلى حد كبير. كل هؤلاء المرشحين يعدون بالقضاء على الفقر والبطالة، وبرفع شأن مصر فى المجتمع الدولى، ولكنهم يتهربون من الأسئلة الصعبة، كيف سيجدون التمويل لبرامجهم الطموحة؟، وكيف سيعالجون عجز الموازنة؟، وكيف سيتعاملون مع مجلس نيابى يبدو أن أغلبيته ستخرج خالية الوفاض من هذه الانتخابات؟. ومن المؤكد أن شخصية الناخب لها شأن كبير فى الانتخابات فى بلدنا حتى الآن، وللأسف الشديد، فإن المرشح الذى يجتذب الناخبين هو ذلك الذى يخاطب عواطفهم ، وليس عقولهم، وهو الذى يدغدغ مشاعرهم بكلام معسول، حتى ولو كان يكذب وخصوصا عندما يكثر من الإشارة إلى الدين الإسلامى فى حديثه.

 

 

 

من هو المرشح الذى يمكن أن تحتاجه مصر فى هذه الظروف؟

 

لقد أرهقتك ربما عزيزى القارئ بهذه الإطلالة على سلوك الناخبين فى الدول المتقدمة وما أتوقعه من سلوك الناخب فى مصر، ولكنى لم أقل لك لمن سوف أدلى بصوتى فى هذه الانتخابات. لن أصرح باسم مرشح معين، ولكن سأذكر بعض الصفات التى ينبغى أن يتمتع بها، ولك أن تقدر مدى وجاهة هذه الاعتبارات. مصر تحتاج صراحة رئيسا ينتمى إلى ما نسميه بالقوى المدنية، ولا ينبع هذا الموقف من انتماء شخصى لهذا التيار، ولكن لأن صالح التطور الديمقراطى فى مصر هو أن تتواجد على قمة الدولة فى مصر قوى متنوعة حتى تستفيد مصر من ثراء تنوعها واجتهاداتها. لو انتهى الأمر برئيس ينتمى فكريا إلى نفس تيار الأغلبية فى مجلسى الشعب والشورى وقريبا فى الحكومة، فسوف نقع فى قبضة تيار واحد، لم نر حتى الآن اجتهادا بارزا له فى شئون الحكم يخرجنا مما نحن فيه من أزمات، بل إن مصلحة هذا التيار الغالب هو أن يتواجد معه على قمة السلطة فى مصر تيار آخر يستفيد من التعاون معه على نحو يقلل من بعض الشطط الذى قد يخرج من بعض أنصاره، ويتحمل معه مسئولية مواجهة خروج البلاد من أزمات الأمن والاقتصاد وتراجع مكانتها الدولية. ولكن هذا الرئيس الذى نحلم به لا ينبغى أن يكن أى عداء لتيار الأغلبية البرلمانية، وإنما يكون قادرا بمهارته وحنكته على التعامل مع كل من الأغلبية البرلمانية وكذلك مع قيادة القوات المسلحة التى ستسلم سلطة الحكم، ولكنها بحكم مسئولياتها لن تكون بعيدة عن مناقشة قضايا الأمن القومى والسياسة الخارجية. ومع أن معظم المرشحين يفتقدون الخبرة فى إدارة شئون الدولة المصرية، فهم يجيئون من عالم السياسة ومن المجتمع المدنى، إلا أن افتقاد عنصر الخبرة هذا سيكون عقبة أمام من ينجح منهم فى الوصول إلى منصب رئيس الدولة. لا تقل لى عزيزى القارئ أن أوباما وأولاند لم تكن لأى منهما مثل هذه الخبرة، دعنا لا نقارن أوضاعنا بأوضاع تلك البلاد فهى دول مؤسسات، والرئيس الذى يفتقد الخبرة يجد إلى جانبه مؤسسات مستقرة وذات تاريخ وموارد هائلة تساعده، ولا يوجد فى هذه الدول ملامح عبادة الفرد التى ما زالت مستمرة فى بلدنا ذات التقاليد الفرعونية التى لا تختفى مهما مر عليها الزمان. وأخيرا يجب أن نتساءل عن معاونى الرئيس، وكيف يتعامل معهم، وهل هؤلاء المرشحون يتصرفون مع مساعديهم بروح الفريق، أم أن كلا منهم يعتبر أنه عبقرى آخر الزمان الذى لم تجد الإنسانية بغيره.

 

هناك مقومات أخرى للرئيس الذى ننشده، ولكنى آثرت إبراز ما أرى أنه هو ما نحتاجه بشدة فى هذه الظروف الدقيقة التى نمر بها. لعلى قد أسهمت فى توضيح المعايير التى يجب أن نختار على اساسها رؤساءنا، وإن لم أكن قد فعلت، فلعلى على الأقل لم أتخلف عن المشاركة فى النقاش حول هذا الموضوع المهم.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2020 ShoroukNews. All rights reserved