الرؤيا

إكرام لمعي
إكرام لمعي

آخر تحديث: الجمعة 14 مايو 2021 - 10:00 م بتوقيت القاهرة

انتهينا فى مقالنا السابق بعنوان «تعاليم السيد المسيح بين التراث والمعاصرة»، ألى أن السيد المسيح علَم وأوصى بألا نكتفى بتفسير الكلمة المقدسة من خلال التراث القديم من مئات أو آلاف السنين، بل نحترمه فى سياقه، لكن أيضا نأتى بالكلمة المقدسة أى (النص الموحى به) ونفسره فى إطار الحضارة الحديثة، ونضع التفسيرين جنبا إلى جنب لأنه لابد من انصهار القديم مع الجديد، التراث مع المعاصرة، وتقديم رؤية متكاملة مستقبلية، وتساءلنا ماذا نعنى بالرؤيا؟ وأجَبنا أن الرؤيا هى «ما يجب أن يكون عليه المستقبل»، فالرؤيا ليست تنبؤات مستقبلية وليست أيضا أحلام يقظة ولا أهداف نوصى بتحقيقها، لكن تعريفنا للرؤيا هو: «فن صناعة المستقبل»، وعلى الشعوب المتطلعة لمستقبل أفضل أن تُعلم أولادها كيفية صنع المستقبل، والسؤال الذى نلتقى به فى أول الطريق للمستقبل هو: ماذا نعنى بمصطلح «الرؤيا المستقبلية»؟ والإجابة هى وضع تصور لما يجب أن يكون عليه المستقبل، والتركيز هنا على كلمة «يجب» أى أن الرؤيا ليست محاولة استقراء لمستقبل (تنجيم) أو حُلم، أو تنبؤ به، لكن صُنعا له. فصاحب الرؤيا سواء كان فردا أو جماعة، هو ذلك الشخص أو تلك الجماعة التى ترى ما لا يراه الآخرون المحيطون. والرؤيا بهذا المعنى ليست مجرد أهداف نضعها، على الرغم من احتوائها على أهداف، لكن بمعنى أن الهدف هو ما نُعرفه ونحدده ثم نسير نحوه لتحقيقه. أما الرؤيا فهى الصورة النهائية للمستقبل الذى نتصوره، والذى لا يكتمل أو تكتمل صورته إلا بتحقيق عدة أهداف تتفاعل وتتكامل معا لتصنع مستقبلنا كما حَلمنا به أو تصورناه. ونحن لا نفهم الرؤيا بدون أهداف، وإلا أصبحت الرؤيا مجرد معانٍ جميلة. وفى نفس الوقت لا يمكن أن نختصر الرؤيا فى مجرد أهداف. مثلا لو أردنا وضع رؤية لبناء الإنسان المصرى ليصبح إنسانا عالميا، هنا ليس الهدف هو بناء مدرسة فى حد ذاتها، أو بناء منظومة تعليم بعينها، أو بناء ملاعب، أو معهد موسيقى... إلخ، كل هذه وسائل لتحقيق هدف واحد هو بناء للذات المصرية أى بناء الوطن والهوية والإنسان. والصورة النهائية التى نضعها أمامنا هى لشعب ناضج نفسيا داخل مجتمع صحى، بمعنى أننا يمكن أن نبنى مدارس ومعاهد ومستشفيات وملاعب وجامعات... إلخ، لكن إذا جاء المُنتَج بلا هوية واضحة المعالم، بلا حب للوطن بلا صنع إنسان ناضج، فلا قيمة لكل ما فعلناه أو نفعله، لأننا لم نحقق الرؤيا.
***
يقول نيوتن: «إنى أرى أكثر من الآخرين لأنى أقف على كتفى عملاق» وعندما سُئل عن هذا العملاق قال «كل من سَبقَنى فى تخصصى، وكل من أعطانى معرفة ارتفعَت بها قامتى، وكل من بذل جهدا لكى يرفعنى».
إذن ما هى مكونات الرؤيا... تتكون الرؤيا نتيجة أزمة حاضرة يعيشها وطن أو جماعة أو فرد فى مكان ما بهدف صنع مستقبل أفضل يُبنى على تاريخ هذه الجماعة ويتفاعل مع مكوناتها، وتصوغها فلسفة تتجاوب مع طبيعة هذه الجماعة وتوحدها وترتقى بها. لكن طالما يكون المسئول ليس لديه أزمة فى أى شىء، وعنده إجابة لكل سؤال، ويستمتع بعدم إحساس بالأزمة و(كله تمام) فلا رؤيا ولا يحزنون. لكن إن كان هناك إحساس عام بالأزمة، هنا بَدء تكون الرؤيا، والتى يجب أن تجيب نظريا على سؤال: تُرى ما الذى يجب أن يكون عليه مستقبلنا القريب والبعيد. وتتكون الإجابة من ثلاثة أبعاد: المكان (الجغرافيا أو الموقع) والزمان (التاريخ) والفلسفة (النظرية). والرؤيا هنا لابد وأن تنتج من البيئة التى تعيش فيها الجماعة، فلا يمكن لشخص أن يأتى من خارج الجماعة ويقدم لها رؤيا، فالرؤيا يجب أن تكون محلية جدا. لذلك فقد ثبت فشل كل الرؤى التى استوردت من الخارج، فصراع المتناقضات واسلوب الحكم والعادات والتقاليد والهوية وطبيعة الجو والتضاريس وموارد المياه كل هذه معا أحد مكونات الأزمة والتى تنشأ وتتكون عنها الرؤيا. فالتاريخ يُقدم بُعدا زمنيا مذهلا لأصحاب الرؤى، فالله هو رب التاريخ، إله الآباء والأجداد، والجماعة التى لا تاريخ لها من الصعب أن تصنع لها مستقبلا جمعيا. فاختبارات الماضى ونجاح رؤى الآباء ومعاناة الأجداد يحمل للجماعة حضارات ذابت واندثرت، ويحمل أيضا لغة تطورت مع الزمن ولا توجد رؤية مستقبلية تستطيع أن تستغنى عن كل ذلك. أما الفلسفة فهى التى تقوم بصياغة أزمة المكان ومكوناته مع تاريخ الجماعة فى رؤية للمستقبل، وهى بذلك تحدد معالمه وتعطيه شرعيته وترسخ مكانته فى فكر الجماعة ووعيها. والفلسفة هنا ليست مجرد صياغة لفكر فرد يحاول أن يفرض رؤيته على الجماعة، وهذا ما يحدث عادة فى المجتمعات الديكتاتورية والمتخلفة، لكنها صياغة تنبع من وسط الجماعة، وتعبر عن توجهها ورؤاها لمستقبل لا يتعارض مع تاريخها أو قيمها أو أعرافها، وإن كان يُعطى تفسيرا جديدا لها، فكل تعليم جديد لصياغة الرؤية يجب أن يكون مؤسسا على تراث قديم .
***
وكل رؤيا يجب أن تكون لها ملامح من أهمها الوضوح.
فيجب أن تكون الرؤيا واضحة جدا سواء للفرد أو الجماعة وكل فرد يتصرف وكأنها قد تحققت، فالثقة فى تحقيقها تُعطى الإحساس بوجودها وملامستها وتشجيع الآخرين على رؤيتها.
عادة ما تنبع الرؤيا من فرد ما فى وسط الجماعة، ثم تقتنع الجماعة برؤية هذا الفرد وتتبناها، إذ تجد فيها غايتها وأملها وعادة ما تقتنع الجماعة بالرؤيا بطريقتين، إما فهم الرؤيا والاقتناع بها، أو الثقة فى الشخص حامل الرؤيا.
الطريقة الأولى تتم عادة فى المجتمعات المتحضرة وفى المجتمعات التى على مستوى معين من الثقافة. أما الطريقة الثانية فهى عادة تتم فى المجتمعات المتخلفة والجماعات التى تتميز بضحالة الفكر، فالجماعة الأخيرة تثق فى الشخص الذى له رؤيا ويتحمس لها ويعتقدون أن هذه الرؤيا فى صالحهم، فيطيعونه ويسيرون خلفه. وهى نفس صورة الذئب الذى يرى غزالا فينطلق فى اتجاهه وأسلوب انطلاقه ينبئ على أنه يرى صيدا، فتنطلق خلفه بخطوة جماعة الذئاب دون أن ترى الصيد وتركز عيونها عليه هو، وكأنهم يرون بعينيه.
ولا شك أن هذه الطريقة تنجح أسرع من الطريقة الأولى والتى فيها تقتنع الجماعة بالرؤيا، لكن مخاطرها كثيرة وأشهرها موت صاحب الرؤيا أو انحرافه بالسلطة واستغلاله ثقة الجماعة فيه لتحقيق زعامة ومصالح شخصية وضرب كل معارضة، وبالطبع تلاحظ ــ عزيزى القارئ ــ أن هذه النوعية الأخيرة هى الأكثر شيوعا فى منطقتنا المباركة.
أما الملمح الثانى للرؤيا فهو التوازن: فالرؤيا يجب أن تُبنى على واقع تحاول تغييره وتتطلع إلى مستقبل يمكن تحقيقه .
فلابد أن توازن الرؤيا الصراع بين مرارة الواقع ومثالية الحلم، فهنالك من يستغرقون فى مرارة الواقع فيمتلئون يأسا ويرفضون المشاركة فى أى رؤية تطرح، وكم من بشر تحمسوا لرؤية عظيمة لكن استهوتهم الصراعات وأخذتهم الشللية والمكاسب الفردية وعاشوا حياتهم يدافعون عن أنفسهم وأنتهى العمر ولم تتحقق رؤى .
***
لذلك علينا أن ندرك أنه لكل رؤيا ثمن، وكلما زادت قيمة الرؤيا ارتفع الثمن المدفوع لتحقيقها وثمن الرؤيا يتلخص فيما يلى:
صراع مع أشخاص غير مقتنعين بالرؤيا، أو العكس صراع ما بعد النجاح ويتلخص فى (شهرة، جنس، منصب).
أما ثانى الأثمان وأرقاها هو الألم والموت فى سبيل رؤيا تتحقق بعد موتهم أو الاستغناء عنهم من الذين قفزوا على السلطة.
أما الثمن الأخير الذى يدفعه أصحاب الرؤى فهو ألم الحياة، أن نحيا لأجل تحقيق رؤيا أصعب كثيرا من أن نموت فى سبيلها.
أرى أن القضية تتلخص فى أنه إذا استطاعت جماعة من الجماعات فى لحظة تاريخية معينة أن تتوحد فى رؤيا ترتفع بها فوق الصراعات والمتناقضات التى تعيشها هذه الجماعة، بل وتحل هذه الصراعات لا بإلغائها أو تجاهلها، ولكن بتسخيرها وترويضها لخدمة الهدف العام، لاستطاعت هذه الجماعات أن تقوم وتبنى.
أما إذا طغت الصراعات فوق السطح وأغرقت الرؤيا، عاشت الجماعة متعبة منهكة منتظرة ومتطلعة أن تبرز الرؤيا ثانية فتحتوى الجماعة وتوحدها.
ففى زمن اختلطت فيه الرؤى وانقطع الأنبياء هل لنا من رؤيا؟

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2021 ShoroukNews. All rights reserved