رفقا بأنفسكم

معتمر أمين
معتمر أمين

آخر تحديث: الجمعة 14 أغسطس 2026 - 6:25 م بتوقيت القاهرة

فى أسابيع قليلة اهتزّ الشارع المصرى مرتين. مرة فى الإسكندرية، حيث انتهى خلاف داخل بيت واحد إلى ما لا يحتمله الوصف، وكان الأفدح أن مرتكبته امرأة عُرفت بين الناس بالدفاع عن حقوق غيرها. ومرة فى التجمع الخامس، حيث جاء صديق الأسرة وشريك رب البيت فى العمل، ومعه خبر كاذب عن حادث ألم بالأب، فخرجت الأم وابنتاها معه فى سيارته دون سؤال واحد. لم يكن غريبا حتى يُسأل. وهنا وقع الجرح الحقيقى: لا فى السلاح، بل فى المفتاح الذى سُلم طواعية. المصيبة لم تكن أن الجريمة وقعت، المصيبة أن الباب فُتح من الداخل.

ثم مضت الصدمة المجتمعية فى مراحلها المعروفة: ذهول فى الساعات الأولى، ثم غضب يبحث عن مسئول، ثم تفسير متعجل يُلبس الحادثة معنى أكبر منها. وأخطر المراحل هى الأخيرة، حين ينتقل السؤال من العام إلى الخاص، ليتحول من: «ماذا جرى للمجتمع؟» إلى: «بمن أثق أنا؟». وامتلأت المنصات بنصائح من نوع «لا تأمن أحدا» و«الكل يخفى وجها آخر». وهنا تتحول الصدمة من ألم عابر إلى خلل مقيم. فالحذر واجب، خاصة فى المال والأسرار والشراكات، لكن انقلاب الطيبة إلى سوء ظن عام شىء آخر تماما؛ الأول حكمة تحمى، والثانى انكماش يخرّب النسيج الذى يريد حمايته.

  • • •

ولم يكن هذا الانزلاق ليتم بهذه السرعة لولا وسائل التواصل الاجتماعى التى حملت إلينا الخبر، والتى اكتسبت عقلا أو خوارزمية تقرر بالنيابة عنا ما نراه. الخوارزمية لا تسأل: ما الذى يستحق أن يُعرف؟ بل: ما الذى يجعل المستخدم يقف أمام المنشور؟ والخوف والغضب هما أنجح ما يوقفه. والمشكلة ليست فى المنشور الواحد، بل فى التراكم؛ فمائة إعادة نشر لحادثة واحدة تُقرأ فى الوعى كأنها مائة حادثة. هذا ما سماه جورج جربنر «متلازمة العالم الشرير»: كثرة ما نرى من العنف تجعلنا نبالغ فى تقدير احتمال وقوعه بنا. والموجة تبلغ ذروتها فى الأيام الثلاثة الأولى ثم تخفت خلال أسبوعين، فلا الحادثة تُفهم ولا تُهضم، بل تُستهلك وتُترك بلا خلاصة، حتى تأتى التالية فتوقظ أثر سابقتها.

  • • •

وفى المقابل، كانت هناك كاميرات المراقبة التى تعمل دون ضجيج، والتى اكتسبت فى العقد الأخير بصرا: أنظمة تحليل ذكى تتعقب سيارة أو وجها أو خط سير فى ساعات، ومن ثم أوقعت بالجانى فى الجريمتين بعد ساعات. بمعنى آخر، غيّرت التكنولوجيا المعادلة؛ غيّرتها بعد وقوع الجرائم، إذ أعلنت وزارة الداخلية ارتفاع نسبة ضبط الجرائم من نحو 57% إلى ما يقارب 95% بين 2013 و2023، وتراجعت الجرائم التى كانت تُقيَّد ضد مجهول. وغيّرتها قبل الوقوع، لأن الردع فى جوهره حساب احتمال؛ فحين يعرف الجانى أن الإفلات صار شبه مستحيل، يتغير حسابه من أساسه. والأرقام تسير فى هذا الاتجاه: انخفاض تجاوز 70% فى معدل الجنايات خلال عشر سنوات، وانخفاض سنوى يدور حول 14% فى كل من عامى 2023 و2024، مع تقدم مصر عشرات المراكز فى المؤشرات الدولية للجريمة العنيفة وتصورات الأمان.

ومع ذلك، لا الكاميرا ولا الإحصاء يكفيان؛ فالقبض يغلق الملف الأمنى ولا يغلق الجرح المجتمعى، والأرقام لا تشفى، لأن الناس لا يعيشون فى الإحصائيات. الإحصاء يقول: الاحتمال ضئيل، فيرد الإحساس: وماذا لو كنت أنا هذا الاحتمال؟ المجتمع لا يهدأ حين يُقال له إن المعدلات تنخفض، بل حين يجد حكاية تمنح ما جرى معنى وتضعه فى مكانه. وتلك، تاريخيا، وظيفة الأدب والفنون والسينما والمسلسلات.

  • • •

فالسينما ليست وافدا جديدا بحال، بل هى أقدم وسطائنا فى فهم ما يجرى؛ تأخذ جريمة الشارع وتعيدها إلينا حكاية لها سبب ونتيجة ومغزى، بل إن جرائم كل عقد كانت مرآة لتحولاته. فى الثمانينيات، بعد الانفتاح، كانت الجريمة جريمة صعود: نور الشريف فى «أهل القمة» (1981) عن لص صغير تجاوزه لصوص أكبر منه بمراحل، وعادل إمام فى «الغول» (1983) عن نفوذ يشترى القانون، ونور الشريف فى «الوحل» (1987) عن المخدرات وهى تتسلل إلى داخل البيوت. وفى التسعينيات صارت أذكى وأقرب إلى المؤسسة: أحمد زكى فى «الإمبراطور» (1990) عن الثراء الدموى السريع، ثم فى «ضد الحكومة» (1992) عن عطب المنظومة، وعادل إمام فى «الإرهاب والكباب» (1992) عن مواطن سحقته البيروقراطية حتى بدا خارجا على القانون. ومع الألفية اتسعت الصورة إلى بانوراما اجتماعية كاملة بقيادة عادل إمام ونور الشريف فى «عمارة يعقوبيان» (2006)، وإلى الاحتقان الذى سبق الانفجار مع خالد صالح فى «هى فوضى؟» (2007).

ثم جاء العقد الأخير بتغير فى خريطة الإنتاج نفسها؛ صعود كيانات كبرى مثل «المتحدة للخدمات الإعلامية» و«سينرجى» أعاد إلى الدراما قدرتها على الإنتاج الضخم المنظم بعد سنوات من التشتت، ونقل الاهتمام إلى أولويات كانت تحتاج ضوءا بالفعل: كيف يُصنع التطرف، وكيف تُبنى شبكات الإرهاب، وكيف تستعيد الدولة قدرتها على الضبط. من «ولاد رزق» (2015) لأحمد عز، إلى «كلبش» (2017) لأمير كرارة، و«الاختيار» بأجزائه (2020 - 2022) لأمير كرارة وأحمد مكى وكريم عبد العزيز وياسر جلال، وُضعت أمام الجمهور حكاية مكتملة عن مواجهة خاضتها البلاد فعلا. ومهما اختلفنا مع هذا التوجه، يبقى المكسب أن وسيطا فنيا واسع الانتشار عاد يشتبك مع أحوال المجتمع ويرتب أولوياته، بدل أن تُترك للتأويل بلا وعى.

  • • •

لكن الملاحظ أن الأعمال التى تقترب من جرائم النفس الفردية تراجعت فى المقابل. وللتراجع أسباب إنتاجية ورقابية، لكن له سببا ثالثا يستحق الإنصاف: وعى بخطر المحاكاة، حيث تكاد الأبحاث تتفق على أن الدراما لا ترفع معدلات الجريمة فى المجتمع ككل، فتلك تحكمها البطالة والتعليم والاقتصاد وكفاءة الضبط، لا شباك التذاكر؛ لكنها تتفق أيضا على أن التفصيل الدقيق لطريقة التنفيذ قد يمنح المضطرب سيناريو جاهزا. والفرق بين عمل يحكى الجريمة وعمل يعلّمها هو الفرق بين أن تُظهر الأثر وأن تشرح الأداة.

ولهذا امتنعت فى أول هذا المقال عن التفاصيل، واكتفيت بما يشير إلى الجرح دون شرح كيفية وقوعه. وما ينطبق على شاشة السينما ينطبق على شاشة الموبايل/ الهواتف. كل من يعيد نشر التفاصيل الدموية يظن أنه يحذّر، وهو فى الحقيقة يوزع مادة خام على من لا نعرف نواياهم.

خلاصة الأمر: مهمتنا نحن أن نتابع ما يستحق، ونغضب مما يستحق، ونطالب بالعدالة دون هوادة، ثم نغلق الشاشة ونترك للنفس مساحة تتنفس فيها، وأن نتذكر أن العلاج من الغدر ليس أن نغلق أبوابنا فى وجه الجميع، بل أن نمنح الثقة على مهل وبحسب الأفعال. فالطيبة مع الحكمة أبقى من الطيبة وحدها، وأبقى بكثير من الشك فى كل أحد. رفقا بأنفسكم، فالمجتمع الذى يستنزف طاقته كل يوم فى الذعر، يبدد كثيرا مما لديه ليبنى الأمان الذى يريده لأبنائه.

باحث فى مجال السياسة والعلاقات الدولية

 

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved