فى الحُزْنِ والفَرْح

بسمة عبد العزيز
بسمة عبد العزيز

آخر تحديث: الجمعة 14 أغسطس 2026 - 6:30 م بتوقيت القاهرة

 

 

فى مفاجأةٍ غير مُتوقَّعة سَمعِت «وحياة قلبى وأفراحه» صادرةً عن أحد الجيران. لم أتأكد إن كانت المناسبة هى بالفعل ظهور نتيجة الثانوية العامة، أم مُجرَّد مصادفة سعيدة جاء بها الراديو. للأغنية ذكرياتٌ كثيرة منذ الطفولة، ولصوت عبد الحليم الشجيّ أثرٌ لا يذوى فى الروح، ولواقعنا الغنائيّ التعس فضلُ التعريف بقيمة الكلمة واللحن الحقيقيين. لم أسأل الجارة عن سِرّ انطلاق الأغنية عبر بابها؛ فعاداتنا المُستجَدَّة أن يبقى كلٌّ فى حاله، وأن يحفظَ خصوصيةَ مَن حوله ويتكتَّم فضوله؛ كى يستحقَّ صفاتِ التحضُّر والرُّقِى.

  • • •

ثمَّة مأثورٌ اعتراضيٌّ تنعى فيه امرأةٌ حالها فتقول: «فى فرحكم مَنسيَّة وفى حزنكم مَدعيَّة». القولةُ مَلموسَة على أرضِ الواقع ومُتحققة إلى حدٍ بعيد؛ لكنها لا تعكس عمليةَ نبذٍ أو استبعادٍ مَقصودة، بقدر ما تُدلل على قيمةِ قائلها من الناحية المعنوية؛ ففى حال الكرب والهمّ يتضاعف الاحتياجُ للونَس والصُّحبة، عنه فى حالِ الفرح والحبور، وغالبًا ما يبحث الواحد منا عن رفيق قريب إلى القلب والنفس ما ساءت ظروفُه وتعقَّدت؛ لكنه لا يُدقق كثيرًا فيمن يدعو أو يشارك حين يحتفل بحدث سار مُبهِج. البهجةُ مدعاةٌ لاجتماع الناس ولو لم تربطهم أواصِر متينة؛ بل وقد يتسامح الخَصمُ مع خَصمِه إن تلاقيا فى مناسبة سعيدة، أما الحزن والأسى فيرجحان اعتزال المحيطين؛ إلا من كان بمنزلة الصَّفيّ عند الشخص المنكوب فى مشاعره.

  • • •

يقول المثلُ الشعبيُّ الساخر: «جَت الحزينة تفرَح ما لقتلهاش مَطرَح» والقصد أن الحال التى فُطِر المرءُ عليها وتمرس بها؛ صعبة التغيير، وأن التعود على وضع معين يجعل منه قاعدةً مُستدامةً لا استثناء؛ ولو حاول المرءُ تعديلها أو القيام بما يعاكسها، فغالبا ما يُمنى بالفشل ولا يجد له محلًا مناسبًا. على الحزينة أن تتكيفَ مع حالها ومقامها، أما السعيدة دون سبب فتظل فى ابتهاجها وإقبالها على الدنيا؛ والمجاز صالح للتطبيق فى مواقف أخرى مضحكة؛ فشخص يمضى إلى إحدى دور العرض شاعرًا بالجزل لأنه سيرى فيلمًا بعد طول امتناع؛ فيجد العرضَ ملغيًا أو الكهرباءَ غائبة أو يَصطدم بعدم وجودِ مَقعد خالى.

  • • •

الحنَّة دليلُ فَرح، تستخدمها نساءٌ كثيرات ما أقمن حفلات زواج أو خطبة، وفى الاجتماعات السَّارة تُستضَاف امرأةٌ من المُحترِفات الماهرِات فى رسم الأشكال المختلفة على الأذرع والسيقان والوجوه، فتضفى على الحاضرات جمالًا وملاحة وتصنع أجواءً من المسَرَّة الخالصة. تقول الأمثولة الشعبية: "كنتِ فين يا حِنَّة لما كترت الأحزان؟". السؤال المطروح يستنكر غياب الفرح لفترات مطولة بينما تتكالب المُحزِنات، ويوحى من ناحية أخرى بأن أمرًا طيبًا قد ظهر فى الأفق؛ إنما بعد فوات الأوان، وبعد أن ترك الأسى بصمته وحفر أثره وتعذَّر محوه. 

  • • •

غنى عبد الحليم من كلمات نزار قباني: "وسيكبر حزنك حتى يصبح أشجارًا". الحزن هنا له جذور ممتدة فى الأرض؛ كيان مستقر، ثابت فى مكانه، عميق، وقادر فى الوقت ذاته على النمُوُّ والترَعرُع. الأبياتُ لنزار قبانى من قصيدة "قارئة الفنجان" واللحن لمحمد الموجى، وقد قُدمَت الأغنية للجمهور عام ألف وتسعمائة واثنين وستين فى فيلم الخطايا. أعتَرِف أن تشبيه إحساسٍ مُوجِع مثل الحزن، بتكوينٍ طبيعيّ فاتن مثل الأشجار؛ كان دومًا مصدر إزعاج يخرجنى من اندماجى مع الأغنية. الشجر مرتبط فى الذهن بكل ما هو جميل مُريح للنفس ومُهدئ للخاطر؛ بينما الحزن على النقيضِ مؤلمٌ للروح، باعثٌ على الانقباضِ والذُّبول. الشَّجر حياة والحزن مَوات، والجامع بينهما رسوخ وشموخ.

  • • •

بعضُ المرَّات تُوصَف مظاهر الأسى الشديدة بأنها "مَحزَنَة" بفتح الميم والزين والنون. درجنا على استخدام الكلمة التى تتشابه فى تركيبها مع أسماء المكان المُشتقَّة على وزن مَفعلة مثل: مَكتَبَة ومَقرَأة ومَغسَلة؛ لكن المَحزَنَة لا ترِد فى قواميس اللغة العربية ولا يأتى لها ذِكر فى أيّ مُعجَم. على كل حال لا نستخدم المفردةَ للدلالة على مَوضِع ما؛ بل عادة ما نقصد بها حالًا مُزمِنة مُكثَّفة، تنشأ وتتواصَل فى ظل مُصابٍ جَلل، وربما تصبح مقامًا مُستدامًا اختاره شخصٌ لنفسِه وأبقى عليه، ويُحتمَل أن يشاركَه فيه آخرون.

  • • •

حين تتواكب أحداثٌ سارة عديدة على غير المألوف، يستعين الناس بالربّ؛ كى يحفظها حالًا طيبة ومرغوبة، وكذلك كى يصونها من عين الحَسَد ويزيد فيها، يأتى الدعاء والرجاء: "يا مكتر الأفراح". من المؤسف أن تقلصَت أفراحنا فى الآونة الأخيرة وباتت عزيزة.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved