استشارة من الدكتور سرجانى
أسامة غريب
آخر تحديث:
الجمعة 14 أغسطس 2026 - 6:30 م
بتوقيت القاهرة
روى أحد الصهبجية أنه كان بصحبة صديق على الطريق الصحراوى عائدين من إسكندرية، وكان راديو السيارة يصدح ويذيع برامجه وأغانيه، عندما بدأت تتوالى مجموعة من الإعلانات العجيبة، وكلها ذات طابع واحد: إذا كانت لديك مشكلة قانونية وتريد الرأى الصائب، اتصل برقم كذا تحصل على الإجابة الفورية من الأستاذ مغاورى المحامى الضليع. إذا كنتِ تعانين من مشكلة تتعلق بجمالك وحيوية بشرتك أو تسريحة شعرك، اتصلى بتليفون كذا تجيبك خبيرة الجمال مدام رانيا. إذا أردت فتوى دينية فى أمر يشغلك اتصل يرد عليك الشيخ بهادر بما يسعد قلبك ويطمئن خاطرك. لمعرفة أجمل الوصفات لأشهى الأكلات اتصلى بالشيف مرجان ليصنع معك أحلى عزومة للأهل والأحباب. إذا كنت تشعر بضيق وتمر بأزمة نفسية، أو كان الخوف يسيطر عليك اتصل بالهاتف النفسى من أى تليفون أرضى أو محمول، يرد عليك الدكتور سرجانى ويخلصك من الهم الذى تحمله ويبعد عنك شبح الاكتئاب.. سعر الدقيقة عشرون جنيهًا.
كل هذه الإعلانات وشت بأن الدنيا قد تغيرت ولم تعد ببساطة الأمس. إن كل هؤلاء المعلنين يقدمون استشارات تليفونية يتقاسمون فلوسها مع شركة التليفونات فى نوع جديد من البيزنس لم تعرفه الأجيال السابقة. عند انتهاء الإعلانات يروى الصهبجى أنه فوجيء بصديقه يمسك بالمحمول ويطلب نمرة. سأله: ماذا تفعل؟ هل ستطلب الست رانيا خبيرة الماكياج أم ستسأل الشيف مرجان عن طريقة عمل الشركسية؟ قال الصديق ضاحكا: أنا أريد أن أجرب الدكتور سرجانى لأرى ماذا يقول للمهمومين الذين تحاصرهم الأحزان مقابل الفيزيتا التى يحصل عليها مخصومة من رصيدى. قال الصهبجى: وهل تتوقع أن تكون هذه طريقة فعالة فى العلاج النفسى أو أن يقول الرجل شيئا ذا قيمة؟ أجاب: دعنا نتسلى.. سأتظاهر بأننى تعبان وأحتاج لمشورته، وأؤكد لك أننا سنضحك عليه. قال هذا ثم فتح المايك.. تررن تررن اَلو الدكتور سرجانى؟ أيوه يا أفندم سلامتك، خير تعبان من إيه؟ الصديق: يا دكتور سرجانى أنا وقعت فى طابور العيش ورجلى انكسرت وحالتى النفسية سيئة. د سرجانى: ألف سلامة يا حبيبى، شدة وتزول بإذن الله. الصديق: ولما رحت أفك الجبس اتزحلقت فى قشرة موز ورجلى التانية انكسرت أيضًا. د سرجانى: كل ده فى ميزان حسناتك إن شاء الله، والحمد لله ان إيديك سليمة. الصديق: أبدًا يا دكتور إيديا الاتنين متجبسين من وقعة الشهر اللى فات. سرجانى: عموما يا ابنى المؤمن منصاب وبكرة تبقى زى الفل.
عند هذا الحد شعر الصهبجى بالدهشة من هذا الحوار الخزعبلى الذى يتابعه وكان يظن الدكتور سيغضب من الاستهزاء به فيغلق الخط، لكن المكالمة استمرت.. الصديق: وكمان حماتى وقعت وماتت وهى بتغسل الهدوم على شاطئ الرشّاح. سرجانى: والرشاح دا فين يا ابنى؟ الصديق: فى الخصوص يا دكتور. سرجانى: والخصوص دى فين؟. الصديق: أول محطة بعد بتاع العصير! سرجانى: إيييه.. دنيا، كلنا لها يا ابنى والزعل ما يجيش منه.. شد حيلك إنت راجل وإن شاء الله تكون اَخر الأحزان. الصديق: وأخويا جاله تسمم من أكلة فسيخ فى شم النسيم. سرجانى: بكرة يخف ويقوم زى الحصان، سلمها لله. الصديق: والأسعار يا دكتور.. أعمل ايه فى الأسعار، المارون جلاسيه فلت عياره وبقى فى السما، وزجاجة الكورفوازييه الأصلى أصبحت غالية نار. سرجانى: خلّى أملك فى الله كبير، بكرة كل شيء يرجع لسعره الأصلى وناكل مارون جلاسيه ونشرب كونياك ونفرفش زى زمان. الصديق: وماذا أفعل فى وقية الكمّون فى بورصة لندن التى أصبحت فى عاصمة الضباب بالشىء الفلانى والناس هناك محتاسين ومش عارفين يعملوا كمّونية!. سرجانى: صلى على النبى وماتفكرش فى لندن.. خلينا فى مصر، فيه حد هنا مزعلك؟ الصديق: كل شىء حلو هنا يا دكتور ومع ذلك لا أستطيع أن أتخلى عن واجبى نحو إخوتى فى الانسانية..الحزن يقتلنى نتيجة للمذابح اللى ارتكبها التوتسى ضد الهوتو فى رواندا أول عمنوّل. سرجانى: الدنيا مليانة بلاوى يا ابنى، أكتر من كدة ويزيح ربنا. الصديق: وكمان يرضيك يا دكتور اللى عملوه الخمير الحمر فى كمبوديا؟. سرجانى: بس ده كلام قديم يا ابنى. الصديق: قديم ولّا جديد..هل يرضيك؟. سرجانى: لا يا ابنى اللى عملوه دا شيء ما يرضيش ربنا أبدًا، لكن اطمئن ربك يمهل ولا يهمل. الصديق: يا دكتور، أنا عندى أرق والنوم جافانى..جربت كل الحبوب المنومة ومافيش فايدة. سرجانى: جرب تلعب رياضة يا ابنى أو مارس هواية مفيدة..ارسم، اكتب شعر. الصديق: أنا بالفعل أمارس رياضة هوكى الانزلاق كما أكتب الشعر، تحب أسمعك أشعارى؟. سرجانى: قول يا حبيبى واشجينى. الصديق: موعود معايا بالعذاب موعود..دخلت بيتكو لقيته كله قرود. سرجانى: الله ياابنى قول كمان. الصديق: دا مجرد مطلع القصيدة ولما انتهى منها ستكون أول من يسمعها. سرجانى: سأكون فى انتظار ابداعاتك يا ولدى. الصديق: لكن أنا حزين جدا وصرت أضع كل همى فى الأكل حتى أصبحت فى وزن الفيل. سرجانى: بتاكل إيه يا ابني؟. الصديق: النهاردة على الغدا أكلت صينية مكرونة بالبشاميل مع بطة محمرة. سرجانى: أكلت الصينية كلها والبطة كلها؟ الصديق: أيوة يا دكتور. سرجانى: عمومًا بالهنا والشفا ومطرح ما يسرى يمرى، لكن الحرص مطلوب وحاول فى العشا تاكل حاجة خفيفة. الصديق: أنا عندى نُص جمل مشوى موجود فى الثلاجة ساَكله فى العشا. سرجانى: أوكى يا ابنى لكن خذ بعده سلطانية زبادى مع ملعقة عسل. الصديق: طب كفاية كدة يا دكتور سرجانى علشان أنا كنت باعمل عليك فيلم وباشتغلك وطلعت كروديا وشربتها يا ابن اللذيذة. الدكتور سرجانى وهو يضحك للمرة الأولى: بالعكس يا حبيبى، أنا اللى اشتغلتك وخدت فلوسك يا ابن العبيطة!